صارت طوكيو وسنغافورة في السنوات الأخيرة محطتين مشتركتين في زيارات معظم قادة دول الخليج العربية إلى الشرق الأقصى. ولعل آخر الأمثلة الرحلة الحالية لولي عهد مملكة البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، والتي حل فيها للمرة الأولى في طوكيو وللمرة الثانية في سنغافورة. وهذه الزيارة لئن أكدت أن البحرين ماضية في حرصها على تمتين علاقاتها وروابطها مع شركائها التقليديين من دول الغرب الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا- شأنها في ذلك شأن شقيقاتها في منظومة مجلس التعاون الخليجي- فإنها تشير في الوقت نفسه أن صانع القرار البحريني يضع عينه الأخرى على دول الشرق الكبرى مثل اليابان وأيضاً الصين، التي ينتظر أن يزورها قريباً للمرة الأولى رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وذلك تحقيقاً لسياسة التوجه شرقاً، التي لطالما طالبنا بها فصارت اليوم ركناً من أركان السياسة الخارجية الخليجية- ليس من أجل مناكفة الغرب وتهديده في مصالحه الحيوية في هذه البقعة كما يتمنى بائعو الشعارات التي ما قتلت ذبابة أو صنعت مسماراً - وإنما فقط من أجل الاستفادة القصوى من استثمارات وخبرات وتجارب دول الشرق الناهضة في مختلف ميادين التقدم والنهضة والتنمية. هذه التجارب والخبرات لسنا في حاجة لضرب الأمثلة عليها، كونها باتت ماثلة للعيان. في هذا السياق يقول الدكتور "سايمون انولت"، الذي عمل لأكثر من عقدين مستشاراً للحكومة البريطانية ولمنظمات دولية عديدة: إنه من الصعب جداً إعطاء الأحكام حول الأماكن دون زيارتها أو الشعوب دون مخالطتها، تماماً مثلما هو الحال إزاء صعوبة إعطاء انطباع عن كتاب ما بمجرد إلقاء نظرة على غلافه الخارجي. ويضيف قائلاً: إنه من الصعوبة بمكان لدولة ما أن تقنع شعباً من الشعوب خارج حدودها بعظمتها وإنجازاتها الخارقة دون القيام بجهد دعائي كبير أو تقديم مساعدات وخدمات مجانية ضخمة يستفيد منها عدد كبير من الناس. لكن اليابان وحدها استطاعت أن تكسر هذه القاعدة، وذلك بفضل دعم اليابانيين للدولة الديمقراطية ذات المؤسسات الممثلة لهم والمترجمة لتطلعاتهم والمنهمكة حصرياً في وضع الاستراتيجيات بعيدة المدى لخلق أمة قوية ناهضة وسمعة صناعية ناصعة واقتصاد قوي متماسك وأوضاع اجتماعية نموذجية. وبطبيعة الحال فمثل هذه الأدوات والأجهزة التي عرفها اليابانيون واستخدموها بعيد هزيمتهم العسكرية المرة في منتصف الأربعينيات، صارت اليوم متبعة في الكثير من الدول لتحقيق نفس الأهداف، غير أن ما ينقصها هو التراتبية والتنسيق والعمل المتناغم، والذي يتخذ في النموذج الياباني الشكل التالي: -مجلس السياحة المختص باستثمار الأموال من أجل تحويل اليابان إلى مقصد للعطلات والمسافرين. -وكالة تنمية الاستثمارات المختصة بجذب الاستثمارات الاجنبية وتذليل مشاكلها البيروقراطية. -المعهد الثقافي المختص ببناء علاقات ثقافية مع الدول والثقافات الأخرى، إضافة إلى تنمية المنتج الثقافي الياباني والتعريف به عالمياً. -مجلس تنمية الصادرات والمختص بالتنسيق ما بين الشركات اليابانية المصدرة والقيام بحملات الدعاية للمنتج الياباني في الأسواق الخارجية. -وزارة الخارجية المختصة برسم أفضل السياسات التي تخدم الأمة. -وكالة المساعدات الخارجية المختصة بتقديم القروض والهبات للدول النامية تشجيعاً لها على الوقوف على قدميها أو محاربة الفقر والجهل والمرض. وعودة إلى "سايمون أنولت"، فإنه يقول في مكان آخر من بحثه المعنون باسم "أسلوب جديد لإدارة الأمم": إن سمعة الدول غالباً ما تكون متأثرة تأثيراً مباشراً بنوعية تعاملها السياسي والاقتصادي والثقافي مع الأمم الأخرى. ويضيف: سواء أكنا نريد السفر لتمضية عطلة ما أو شراء منتج أجنبي، أو كنا نريد التقدم إلى وظيفة شاغرة في الخارج، أو الانتقال إلى مدينة جديدة عبر الحدود أو اختيار فيلم سينمائي للمشاهدة، فإن ما يتحكم في اتخاذ قراراتنا هو تلك السمعة. وبناء على هذه القاعدة، وانطلاقاً من حقيقة أن الدول تبني لنفسها السمعة أمام الآخر من خلال أربع قنوات طبيعية: السياحة وما يشتمل عليها من خدمات وكياسة وظرف ونزاهة في التعامل مع السائح، والصادرات وما تتضمن من جودة المنتج واعتدال سعره، والتبادل الثقافي وما يتبعه من أنشطة تراثية وموسيقية، والإعلام وما يقوم به من دور ترويجي لصالح سياسات البلاد والتعريف بعلمائها ومبدعيها، فإن اليابان لم تحتج إلى كبير عناء - قياساً بغيرها - لتقديم نفسها إلى الآخر، بل صار لاسمها ومنتجاتها سحر خاص لا ينافسها فيه أحد، إضافة إلى نيلها لقبا خاصا تجسد في "النمنمة اليابانية"، بمعنى إذا كان الألمان هم عباقرة الهندسة، والفرنسيون هم عباقرة الموضة والسويسريون هم عباقرة الساعات، والأميركيون هم عباقرة السلاح والفضاء، فإن اليابانيين هم عباقرة صناعة المنمنمات الإلكترونية. على أنه رغم كل هذه الصورة المتميزة، فإن اليابانيين هادئون ولا يتحدثون كثيراً عن أنفسهم. وأتذكر أنه حينما مازح أحد الأصدقاء صديقاً يابانياً مشتركا قبل سنوات قائلًا: متى تعلنون رسميا عن تحولكم إلى دولة كبرى بعد كل ما حققتموه؟ كان رد الياباني هو: هذا لن يحدث قبل أن تصبح أطوالنا متساوية مع أطوال الأسكندنافيين، وبنيتنا الجسدية مماثلة لبنية الألمان. غير أن الاقتصادي الياباني البارز"يوشيزاكي تاتسوهيكو" يعلق على هذا بالقول "إن الأمور تغيرت الآن"، واصفاً بلاده بالطفل الذي اعتاد ألا يتحدث في الصف أو ذاك الذي اعتاد أن يرفع يده بخجل بعد أن ينتهي الآخرون من رفع أياديهم. ويضيف أن طوكيو بدأت بعد عقود من الصمت والانزواء بالتحرك فجأة مستفيدة من انتهاء الحرب الباردة وغياب الثنائية القطبية، فقدمت نفسها أولا كمرشحة لأحد المقاعد الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ثم قامت بمبادرة لتحقيق الإجماع حول قرار أممي بفرض عقوبات على كوريا الشمالية بسبب برنامج الأخيرة النووي، ناهيك عن دورها الانساني في العراق ومبادرتها لمساعدة ضحايا موجة المد البحري "التسونامي" في دول المحيط الهندي. ومما قاله "تاتسوهيكو" أيضاً: "إن هذا لئن أشعر كل ياباني بالفخر، فإنه يجب ألا ينسينا أن العالم من حولنا يتغير كل يوم، وأن قوى جديدة بدأت بالتشكل والظهور، وبالتالي فإن موقع اليابان الاقتصادي في العالم، أصبح نسبياً أضعف من السابق وقدرتها على منافسة الأخيرات، أو قيادة آسيا صار مشكوكاً فيه. وما قاله الباحث الياباني صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن كل أو بعض هذه القوى الصاعدة الجديدة تتوجه شرقاً، وتحديداً نحو اليابان باعتبارها نموذجاً ودليلًا للنجاح. فمن ينكر مثلًا أن روسيا التي تتحرك اليوم لتصبح قوة كبرى - ليس من خلال الأسلحة النووية وغزو أراضي الدول المجاورة وإنما من خلال النفط والغاز، أي من خلال الطاقة التي يتزايد عليها الطلب العالمي يوما بعد يوم وترتفع أسعارها باضطراد غير مسبوق خالقة فوائض مالية ضخمة للدول المصدرة. فروسيا كانت في عام 1998 على شفير الإفلاس، فإذا بمبيعات البلاد من النفط والغاز وحدها تقلب المعادلة ليصبح في خزينتها العامة في نهاية أغسطس 1999 نحو 14مليار دولار، وليرتفع هذا الرقم في العام الجاري إلى 140 مليار دولار. وإذا ما أرادت موسكو أن تحافظ على هذا المورد الحيوي، فلا خيار أمامها سوى طلب مساعدة اليابانيين المتقدمين تكنولوجيا في أعمال اكتشاف وحفر حقول النفط والغاز الجديدة، خاصة وان كل التنقيبات الروسية ما بين عامي 1999 و 2006 تمت في سيبيريا حيث الحقول قديمة ولم تخضع للصيانة لأكثر من سبب. وجملة القول إن اختيار ولي العهد البحريني لطوكيو وسنغافورة كمحطتين في جولته الحالية لم يأت من فراغ. فالبحرين، كما الدول الأخرى تنظر إلى هذين البلدين كنموذجين يُحتذى بهما على جميع الأصعدة، بل ربما الأمر بالنسبة للبحرين أكثر أهمية انطلاقاً من سياسة قادتها المعلنة في تحويل البلاد إلى ورشة عمل جبارة ومركز للجذب الاستثماري وحديقة للإشعاع والتنوير والتسامح في المنطقة.