في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات من الخلل في التركيبة السكانية، وأثره السلبي الكبير على الهوية الوطنية في الدولة، فإن الإحصاءات التي نشرتها إحدى الصحف المحلية مؤخراً، حول حجم القوة العاملة المواطنة في القطاع الخاص تبدو صادمة، فقد أشارت هذه الإحصاءات إلى أن نسبة العمالة الوطنية من مجموع العمالة في القطاع الخاص هي 0.34%، أي أقل من نصف في المائة، حيث إن عدد المواطنين والمواطنات الذين يعملون في هذا القطاع حتى نهاية العام الماضي هو 11 ألفاً و233، في حين أن عدد غير المواطنين يصل إلى 3 ملايين و250 ألف عامل، ينتمون إلى 202 جنسية. والأمر لا يتوقف عند حد هذه النسبة المتدنية والصادمة فقط، وإنما يمتدّ إلى طبيعة مؤهلاتها، وبالتالي طبيعة الوظائف التي تشغلها، حيث تشير إحصاءات وزارة العمل أيضاً إلى أن الحاصلين على الثانوية العامة فما دونها يمثلون 70% من المواطنين العاملين في القطاع الخاص، وهذا يعني أنهم يعملون في مواقع غير مؤثرة في توجيه أو إدارة هذا القطاع، بينما يتولى المواقع والوظائف المهمة فيه غير المواطنين. خطورة ذلك تنبع من أن القطاع الخاص له أهمية محورية كبيرة في الإمارات، باعتبارها دولة منفتحة على العولمة، وتتبنى اقتصاد السوق الحر، ويلعب دوراً جوهرياً في الاقتصاد الإماراتي، وبالتالي فمن المهم أن يكون وجود العنصر المواطن فيه أساسياً ومؤثراً، وليس هامشياً ومتدنياً. لا شك أن وجود قطاعات معينة ذات عمالة كثيفة لا يُقبِل المواطنون على العمل فيها، مثل قطاع البناء والمقاولات، يعد أحد الأسباب في تدني نسبة العمالة المواطنة في القطاع الخاص، لكن هذا لا يقلل من خطورة الأرقام السابقة الإشارة إليها من ناحية، ولا يُلِم بكل جوانب المشكلة من ناحية أخرى، فأحد الأبعاد المهمة لهذه القضية أن القطاع الخاص ينظر إلى المسألة نظرة تجارية تقوم على حسابات الربح والخسارة فقط، دون الأخذ في الاعتبار جوانب أخرى تتصل بالأمن القومي للدولة ومستقبلها، مثل الهوية وخلل التركيبة وغيرهما، ولهذا فإنه يتوسع في الاعتماد على العمالة الأجنبية الرخيصة التكلفة مقارنة بالعمالة المواطنة. ورغم أن هناك قرارات صادرة عن مجلس الوزراء منذ سنوات تلزم القطاع الخاص بنسب توطين محددة تصل إلى 4% سنوياً في قطاع البنوك، و2% في قطاع التجارة بالنسبة إلى الشركات التي تستخدم أكثر من 50 عاملاً، و5% في قطاع التأمين، فإن أرقام "تنمية" تشير إلى عدم الالتزام بهذه النسب، حيث تكشف عن أن نسبة التوطين في قطاع التأمين، على سبيل المثال، أقل من 1% سنوياً. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما هناك عمليات احتيال تلجأ إليها بعض مؤسسات القطاع الخاص من خلال "التوظيف الوهمي"، أي توظيف النسبة المقررة من المواطنين على الورق فقط، كما أن هناك عمليات مضايقة تمارسها بعض الهيئات ضد العمالة المواطنة لدفعها إلى ترك العمل. ومادمنا نحاول تقديم نظرة شمولية إلى المشكلة، فإن الأمر لا يتوقف عند ما سبق فقط، وإنما هناك جانب مهم لا بدّ من الالتفات إليه في أي استراتيجية متكاملة لتعزيز العمالة المواطنة في القطاع الخاص، هو أن هناك منافسة كبيرة في سوق العمل من المهم أن تكون الموارد البشرية المواطنة قادرة على خوضها، وهنا تأتي أهمية التدريب والتأهيل اللذين من الضروري أن يكونا عنصرين أساسيين من عناصر سياسات الهيئات المعنية بتوظيف العمالة المواطنة. فالمواطن المؤهل، هو الرهان بعيد المدى لإعادة التوازن إلى سوق العمل. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية