احتفل العرب والإسرائيليون كل بطريقته بالذكرى الخامسة والثلاثين لحرب أكتوبر عام 1973. فقبل أسبوع من حلول الذكرى، استجمع وزراء الخارجية العرب عزيمتهم فيما يشبه استعادة روح أكتوبر 1973، فلقد انعقدت جلسة خاصة لمجلس الأمن في السادس والعشرين من سبتمبر 2008 للنظر في طلب المناقشة التي قادها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل وأمين عام الجامعة العربية. في بداية كلمته قال الفيصل: لقد طلب جميع الأعضاء في جامعة الدول العربية عقد هذه الجلسة العاجلة لمجلس الأمن لمناقشة مشكلة استمرار الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويحدونا وطيد الأمل في أن تعزز هذه الجلسة مقاصد الأمم المتحدة فيما يتعلق باحترام مبادئ القانون الدولي، وأن تساعد على انقاذ عملية أنابوليس للسلام من الفشل. لقد شعرت شخصياً، وأنا استمع إلى هذا الخطاب العربي أن روح الائتلاف والاتحاد العربي التي ولدت معركة أكتوبر ترسل ومضاتها من جديد لتذكرنا بالبذل والتضحية بالنفس والدم في الجيشين المصري والسوري، ولتعيد ذكرى إطلاق سلاح النفط من دول الجزيرة العربية، وذكرى التنسيق السياسي العربي لإدارة المعركة السياسية في دهاليز مجلس الأمن. إنني آمل أن يكون إبراز المعنى الذي استشعرته في السادس والعشرين من سبتمبر الماضي، أي وقت انعقاد الجلسة الخاصة بالاستيطان في مجلس الأمن، مناسبة للانتباه العربي إلى القدرات الهائلة الكامنة في هذه الأمة، والتي تفجرت منذ خمسة وثلاثين عاماً في ساحة القتال، وساحة السياسة الدولية وساحة الاقتصاد العالمي، لتعلن أن هنا بالفعل أمة واحدة تختزن إرادة موحدة تظهر في الأزمات الكبرى والمحن القومية. في يوم الاحتفال هذا العام، ألقى الرئيس مبارك خطاباً يطالب فيه مصر والمصريين باستعادة روح أكتوبر لتكون دافعاً للنهضة. وعندما استضافني مقدمو برامج في عدة قنوات تلفزيونية، باعتباري أحد أبناء الجيل المخضرم، الذي عايش حرب أكتوبر وساهم في جهودها العلمية من خلال الحوار مع الأسرى الإسرائيليين، سئلت عدة مرات كيف أفهم روح أكتوبر ومكوناتها أو عناصرها؟ أجبت بأن جوهر روح أكتوبر في الوطن العربي كله، وليس في مصر وحدها هو إحساس التحدي الحضاري، الذي خرج داخل كل نفس عربية بسرعة فائقة من بين ركام مشاعر الألم والهزيمة التي وقعت عام 1967 واحتلت فيها إسرائيل أراضي ثلاث دول عربية، إن هذا الجوهر هو جوهرة النفس العربية المتلألئة في تجارب التاريخ القديم والحديث، وهو الدرة التي ترسل وميض ضيائها لتبدد داخل النفس العربية ظلام اليأس وسوداوية الانكسار، وظلال الشعور بالهزيمة والعجز والتخلف. جوهر روح أكتوبر إذن، هو الوعي بالقدرة الداخلية على الارتفاع فوق الهزيمة واستجماع العزم لقهر العقبات وتحويل المشهد من هزيمة إلى انتصار. هذا العزم هو ما يجب أن نشحن به نحن أبناء الجيل الأقدم أبناء الأجيال العربية الشابة ليس فقط في مجال الكرامة القومية والعزة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية، بل أيضاً في مجالات الحياة الشخصية والنجاح الإنساني، والتألق في بناء الوطن واطلاق نهضته وقت السلم. لقد ترجمت روح أكتوبر نفسها وبسرعة في عملية انتفاض مشاعر القصور والهزيمة، ثم في عملية احتشاد الإرادة على التحدي من المحيط إلى الخليج، ثم في برامج تنسيق على مستوى زعماء الأمة لإعادة بناء الجيوش وتسليحها بالسلاح المتقدم، ثم في برامج انفاق مشترك على المجهود الحربي، ثم في تنسيق عسكري بين الجيشين المصري والسوري، ثم في تنسيق خليجي لتوليد الضغط على الغرب المتحالف مع قوة الاحتلال الإسرائيلي عن طريق استخدام سلاح النفط، ثم في إدارة المعركة السياسية بعد التدخل العسكري المباشر بالجسر الجوي الأميركي لإنقاذ قوات الاحتلال الإسرائيلية. كل هذه فروع لروح أكتوبر، وهي قابلة للتطبيق في الحرب وفي السلم لتضع أمتنا كقوة عظمى على الخريطة الجغرافية السياسية والاقتصادية للعالم المعاصر. أما الإسرائيليون، فقد "احتفلوا" بالمناسبة بالكشف عن مزيد من وثائق لجنة اجراءات وهي اللجنة التي كلفت بعد حرب 1973 بالتحقيق في أسباب الهزيمة التي اسموها بالتقصير، إنها وثائق تؤكد ما أنجزه العرب من تهشيم لغطرسة القوة ونظريات الأمن عن طريق التوسع، ودحر لأسطورة المخابرات وسلاح الجو وسلاح المدرعات، أو أسطورة الجيش الذي لا يقهر فقهرناه بالفعل.