"الحكومة" لفظ غير دقيق أحياناً؛ لأن الحكومة قد تكون في وضع لا تدرس وتخطط فيه، بل تنفذ السياسات المتخذة فقط من طرف النظام. ونظام الحكم ينفذ ما يظن أنه في مصلحة البلاد، طبقاً لموازين القوى الدولية ومصلحة الوطن المحدودة بحدوده الجغرافية، حتى ولو كان ذلك مختلفاً أحياناً عن مصالحه الإقليمية والتزاماته الدولية الحرة. ولذا فإن المسؤولية الفعلية تقع على النظام السياسي وعلى النخبة فيه ورؤيتها للعالم. من تمثل، رجال الأعمال والطبقات العليا، أم مجموع الشعب والطبقة الدنيا؟ لقد توالت الكوارث في السنوات الأخيرة في مصر، انهيار العمارات، غرق العبَّارات، حرائق القطارات وقرى الصعيد، حريق مجلسي الشعب والشورى، وكان آخرها انهيار "الدويقة" في منشية ناصر لبلل الطبقة الرملية من الصرف الصحي، ووقوع الصخور القائمة عليها بما فوقها من منازل على المنازل أسفلها، ودفن المئات تحت الرمال المبتلة. وهي ليست حوادث متفرقة منعزلة بل يجمعها جامع وهو أن معظمها يمس الطبقات الفقيرة. وليست قضاءً وقدراً، لأن هذا عام ولا نراه ينزل أيضاً بالمدن الجديدة على الساحل الشمالي أو بالقرى السياحية على ساحل البحر الأحمر. والدراسات حول المناطق العشوائية موجودة، وحول سوء أحوال المواصلات البحرية والبرية متوافرة، وحول أحوال الطرق ونسبة مساحتها إلى عدد العربات أعدها الخبراء المصريون والأجانب. والحلول أيضاً مقترحة مثل إقامة الحائط الإسمنتي على سفح جبل المقطم لمنع تحطم الصخور وانزلاقها، وإقامة شبكة من الطرق السريعة، وإصلاح الأسطول البحري. الدراسات متوافرة حول سكان المقابر، وحول مداخل ومخارج القاهرة، وحول سكان النجوع ومساكن الصفيح حول المدن الكبرى. وقد ساهمت أقسام الاجتماع في الجامعات المصرية في ذلك، ولكن ما من مجيب. وفي الوقت نفسه تتم المناداة بربط الجامعة بالمجتمع، وإنشاء وكلاء للكليات ونواب لرؤساء الجامعات لربط الجامعة بالمجتمع وبشؤون البيئة. إنما المسؤول عن ذلك هو قطاعات من النخبة ورؤيتها لنفسها ولدورها ولعلاقتها بالمجتمع والشعب والدولة. فبعض قطاعاتها لا ترى من العالم إلا رجال الأعمال، والثروة ورؤوس الأموال، والمكسب والربح والسوق والخدمات للطبقات العليا. لا ترى إلا مجتمع الرفاهية والمدن الساحلية في الساحل الشمالي والبحر الأحمر والأحياء السكنية الراقية والمدن الجديدة المغلقة على أصحابها ببوابات إلكترونية حتى لا يدخلها الفقراء والشحاذون والباعة المتجولون والمتسولون والحرفيون واللصوص وأرباب السوابق، وباقي طوائف الشعب. لا تهتم إلا بالاستثمارات التي يرتادها الآلاف من الطبقات المتوسطة الجديدة القادرة على الكسب والصرف، والبيع والشراء. لا تعرف أن دورها خدمة الناس، والتخفيف من آلام الشعب، وتحقيق حاجاته الأساسية في الأمن والغذاء والسكن والصحة والتعليم حتى ولو كانت الثقافة والمتنزهات والملاهي والنوادي من الكماليات التي لا تحتاجها الطبقات الفقيرة، التي هي من امتيازات الطبقات الغنية. لا ترى نفسها في خدمة الفقير بل في خدمة الغني، ترعى مصالح القاعدة بل تنفذ رغبات القمة. فالحكم رؤية. والرؤية طبقة. وطالما أن الحكم في نظرها هو حكم النخبة ورجال الأعمال فستتوالى الكوارث على الناس لأنه لا أحد يرعاها. ولا يدافع عن مصالحها. ستستمر الكوارث، وتتوالى حوادث الطرق، وتقع الطائرات، وتغرق البواخر، وتنهار المنازل، وتحرق القطارات والقرى، وتنهار خدمات الشعب والطبقات الكادحة التي لا تجد من يدافع عنها. وستتكاثر الضحايا والأبرياء بفعل الكوارث الطبيعية، والتجاهل الإنساني، والإهمال البشري، والتنكر السياسي. وليست الأسباب كما تدعي بعض الصحف وأجهزة الإعلام تأخر عربات الإطفاء أو خلل أجهزة الإنذار المبكر أو الماس الكهربائي، أو الإهمال البشري، أو شرار موقد شاي لعمال الحراسة، ولا نوم السائقين ليلاً من الإجهاد، أو تناول المخدرات أو غش الحديد والإسمنت في العمارات الجديدة لرشاوى مهندسي الأحياء، ولا سطوة أصحاب العبَّارات لوجودهم أعضاء معينين أو منتخبين في مجالس الشعب والشورى، بل رؤية الطبقة السياسية للمحكومين، وهل هم أصحاب حق أم منفذو واجبات ومطيعو أوامر؟ ولا حل إلا بتبديل هذه الطبقة نظراً لصعوبة تغيير رؤيتها، وإحضار فاعليات جديدة تعبر عن مصالح الشعب وتحقق حاجاته الأساسية. تجعل نفسها خادمة للشعب وليست موظفة عند أحد. نخبة متحررة من سيطرة رجال الأعمال، ومن الضغوط المحلية والإقليمية والدولية، من طبقة رأس المال في الداخل، والسياسات الدولية في الخارج. فالحكم الوطني قادر على الاستقلال عن الضغوط الداخلية والخارجية كما كانت الحال في الجمهورية الأولى. وكان الدفاع عن الاستقلال الوطني ليس في السياسة وحدها مثل جلاء القوات البريطانية عن قاعدة "التل الكبير" وعلى ضفاف القناة في 1954، بل أيضًا في الاقتصاد بتأميم قناة السويس في 1956، وتمصير الشركات الأجنبية في 1957، ورفض تمويل السد العالي بشرط الدخول في "حلف بغداد" في 1954 أو "الحلف الإسلامي" في 1965. ويمكن التنبؤ بمزيد من الكوارث الإنسانية بفعل الإهمال الإنساني في العقود الثلاثة الأخيرة في العاجل. وحلها بعدم وقوعها وليس بالتخفيف عن أضرارها. حلها في الآجل وليس في العاجل. ستستمر المصائب في الحلول دون الأفراح. وسيقع مزيد من الضحايا. ويزداد كسب الجيوب. سيستمر الاهتمام بالأنا وليس بالآخر، ومراعاة المصلحة الشخصية وليست المصلحة العامة. وسيتواصل الاعتناء بالمناصب والسعي وراءها، وليس بالخدمات ورعاية مصالح الناس. وعلى الأمد الطويل، وحتى لو تغير نظام الأداء في الشأن العام، فالخوف أن تظل ثقافته لا تتغير. ولا تتغير الثقافة من السلطة إلى الوظيفة، ومن المنصب إلى الأداء، ومن تنفيذ الأوامر إلى تحقيق المصالح العامة، ومن أداء الواجبات إلى المطالبة بالحقوق، ومن الأحادية إلى الحوار. إن الطفرة التنموية ليست فقط في تغيير النخبة بل في تغيير ثقافتها. ولقد انشغلت ثورة يوليو بتغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية وربما بقيت ثقافة الحكم لم تتغير حتى لو تغير الخطاب السياسي على مستوى الكلام الدعائي والإعلام الخارجي وتبرير النظام الجديد. وهذا لا يحدث إلا بالتحولات الثقافية كما حدث في الثورة الفرنسية. فقد سبق التحول الثقافي التحول السياسي. لذلك بقيت القيم الإصلاحية حتى بعد عودة الملَكية إلى فرنسا كنظام سياسي أيام نابليون الثالث. فقد ظل نابليون الأول في القلوب مجسداً روح الثورة الفرنسية في أحد أبنائها. وسبيل الإنقاذ العاجل هي مراعاة الشعب كسبيل للإنقاذ كما كانت حكومة الجمهورية الأولى. الأرز بأربعة قروش. وتقال الحكومة إذا ما أصبح بخمسة قروش. ورغيف الخبز بنصف قرش وليس بخمسة وعشرين أو خمسين قرشاً، مدعوماً كان أو حُراً، عارياً أو في أكياس، على قارعة الطريق والأرصفة أو في الأفران ومحلات البقالة. هي الحكومة القادرة على عودة الخدمات للطبقات الفقيرة، إعادة بناء نجوعها، ورصف طرقها، وإنشاء الصرف الصحي وتوفير المياه الصالحة للشرب، والتعليم المجاني، والعلاج المجاني، والسكن عن طريق عودة لجان تقدير الإيجارات. صحيح أن الزمان لا يعود إلى الوراء، ولكنه أيضاً لا يقفز إلى الأمام تاركاً وراءه الطبقات الفقيرة خارجه وخارج التاريخ. لو عادت ثروة الأغنياء التي تراكمت في العقود الأخيرة إلى خدمات الفقراء دونما حاجة إلى تأميم أو مصادرة أو محاكم للشعب، لعادت علاقة الحوار بين الحاكم والمحكوم السلمية البيضاء مرة ثانية كما قامت أول مرة. فنصف قرن أو يزيد يكفي لإتمام الدورة التاريخية.