قضت المحكمة العليا في روسيا باعتبار آخر قياصرة البلاد، القيصر نقولا الثاني، وأفراد عائلته، ضحايا للقسوة والقمع السياسيّين، وأنهم يستحقّون، من ثمّ، إعادة الاعتبار، أو "إعادة التأهيل"، حسب التعبير الذي استُخدم. فالقمع المنسوب إلى القيصر وعائلته "لا أساس له"، تبعاً لقرار المحكمة المذكورة. أما الحجّة التي ركّز عليها محامي ورثة القيصر والمتفرّعين عنه، فمفادها أن كلّ عمل قسريّ تمارسه أجهزة رسميّة، مقيّدةً به حريّات مواطنيها وحقوقهم، أكان السبب طبقيّاً أو دينيّاً أو اجتماعيّاً، فإنّما هو قمع وسلوك مُدان. والراهن أن إعادة الاعتبار موضوع انشقاق ثقافيّ وسياسيّ مزمن وعميق في ما بين الروس أنفسهم. فهي تُعدّ مطلباً راسخاً لكثيرين منهم، مثلما كانت، ولا تزال، موضع رفض واستهجان من قبل كثيرين غيرهم. ومن هذا القبيل أن عائلة رومانوف، وهي عائلة القياصرة، طوّبتها الكنيسة الأرثوذكسيّة خارج روسيا، منذ 1981، عائلة قدّيسة، ثم تكرّر التطويب في روسيا نفسها عام 2000، أي بعد عقد على سقوط النظام الشيوعيّ. وفي هذه الغضون، أعيد نبش رفات الأسرة المالكة، في 1998، حيث تمّ نقلها إلى مقبرة كبرى في مدينة سان بطرسبورغ (لينينغراد، في الحقبة الشيوعيّة). في المقابل، فإن المحاكم التي تقلّ مكانة عن المحكمة العليا سبق لها أن رفضت تصنيف الجريمة عملاً سياسيّاً، مقتصرة على اعتبارها جريمة عاديّة مثلها مثل أيّة جريمة غيرها. لا بل جاء قرار المحكمة العليا الأخير على الضدّ من توصية كانت قد أصدرتها هيئة محلّفين تابعة للمحكمة إيّاها في نوفمبر2007، تقضي بالامتناع عن إعادة الاعتبار للعائلة الملكيّة. ذاك أن العهد السوفييتيّ، منذ قيامه في 1917 حتّى سقوطه في 1990-1991، اعتبر نقولا الثاني طاغية مستبدّاً تتجسّد فيه كلّ السيّئات التي قال النظام الشيوعيّ إنه قام للتخلّص منها. وهذا ما انعكس، من خلال الإيديولوجيا الرسميّة ونظام القيم وبرامج التعليم، على أجيال متلاحقة من الروس باتت ترى في إدانة القيصر وعائلته تحصيل حاصل. فإذا صحّ أن عهود لينين وستالين وخروتشوف وبريجنيف، وصولاً إلى غورباتشوف، اختلفت في ما بينها اختلافات ملحوظة، بقي أنها جميعاً ظلّت تدين بشرعيّتها لثورة أكتوبر التي تعمّدت بدم أسرة رومانوف. والقصّة التي يدور السجال حولها مفادها أن نقولا وزوجته ألكسندرا وأبناءهما الخمسة، بمن فيهم الصبيّ ألكساي، ابن الـ14 سنة، ومعهم طبيب العائلة وثلاثة من خَدمها، سيقوا إلى الإعدام بأيدي الثوريّين البلاشفة في يوليو 1918، وذلك بعد تنقيلهم على عدد من السجون الموزّعة على أمكنة متعدّدة من بلاد مترامية الأطراف. أي أن الإعدام حدث بعد أقلّ من عام على انتصار الثورة الشيوعيّة التي قادها فلاديمير إيليتش لينين في أكتوبر 1917. فلم يطرأ فعل القتل، من ثمّ، في حمأة من الغضب "الجماهيريّ" الذي تستحيل السيطرة عليه وتنعدم إمكانيّة ضبطه. والمعروف، تبعاً للرواية التي غدت اليوم مجمعاً عليها، أن الجريمة نُفّذت بدم بارد، وبلا محاكمة، في مدينة ياكاترينبورغ في جبال الأورال النائية. فإذا صحّ أن النظام الجديد ظلّ حتّى 1923، حين كُتب له النصر النهائيّ في الحربين الأهليّة والخارجيّة، يعاني متاعب حربه مع القوى المتدخّلة كما مع "الجيش الأبيض"، فالمؤكّد أن القيصر السجين لم يكن يملك أيّ تأثير على المجريات حينذاك. لا بل حتّى لو صحّ اتّهام القيصر نفسه بتحريك "العدوان على روسيا وعلى الثورة" من داخل سجنه، فكيف يُبرّر قتل أفراد عائلته، صغاراً وكباراً، ومعهم عاملون وموظّفون لديها لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل. على أيّة حال، فمسألة القيصر وعائلته لا تقتصر على الملكيّين وبقايا الشيوعيّين في روسيا، وهما طرفا التناقض المباشر في المسألة. فهي، كذلك، تعيد إلى الواجهة تلك الانشقاقات الثقافيّة العميقة التي لم تكفّ عن ملابسة التاريخ الروسيّ. والحقّ أن تاريخ روسيا، منذ أواخر القرن التاسع عشر، لم يبرأ من انشطار بين كتل التحديثيّين الذين أرادوا تقليد النموذج الأوروبيّ الغربيّ وتعميمه مصحوباً بمحاصرة بؤر الاستبداد والتخلّف "الشرقيّين" و"الآسيويّين"، وكتل السلافيّين القوميّين، وفي عدادهم الكنيسة الأرثوذكسيّة، ممن تمسّكوا، ويتمسّكون، بما يرونه خصوصيّة لبلادهم تفصلها وتميّزها عن أوروبا. وكان الأديب الروسيّ ألكسندر سولجنتسين، الذي رحل عن عالمنا قبل أسابيع، بين آخر الممثّلين البارزين للنزعة الكارهة للغرب هذه. بيد أن الأمور لم تخلُ من تداخل وتقاطع: من ذلك مثلاً أن الحزب البلشفيّ ولد أصلاً، على يد جورجي بليخانوف ورفاقه، كطرف متغرّب راديكاليّ يبحث عن أسرع الطرق إلى إخراج روسيا من تخلّفها "الشرقيّ". غير أن استقرار النظام، لاسيّما في العهد الستالينيّ، حوّله إلى قلعة حصينة للسلافيّة القوميّة، علـي رغم أنها بقيت مكسوّة برداء ماركسيّ ينسب نفسه إلى التقاليد العمّاليّة الأوروبيّة. والنقاش الذي نحن في صدده اليوم إنما يعكس أيضاً بعض ذينك التداخل والتقاطع. فالليبراليّون الغربيّو الهوى، وإن لم يكونوا معجبين بالقيصريّة وبالقيصر نقولا الثاني الذي قاد بلده إلى الحرب العالميّة الأولى وأطلق السعار اللاساميّ، يجدون أنفسهم في موقع الرفض والإدانة للطريقة التي صُفّي فيها هو وأفراد عائلته ومقرّبوه. وإلى حدّ ما يمكن إدراج فلاديمير بوتين، رئيس الحكومة الحاليّ والرجل القويّ للنظام، في خانة التداخل والتقاطع هذين. فهو، من جهة، لا يكفّ عن استنهاض تلك "الروسيا" و"مجدها"، لا فارق أتمثّلَ هذا "المجد" في الكنيسة والقيصر أو في ستالين، موجّهاً هذا الاستنهاض ضدّ الولايات المتّحدة كما ضدّ حريّة الصحافة والإعلام في بلده. لكنّه، من جهة أخرى، من الكوادر الجمهوريّة المتحرّقة لاكتساب الحداثة الأداتيّة، أي القوّة التي لا تطيق بطء البلادة "الشرقيّة" والعجز "الآسيويّ". وهنا، وعلى الصعيد الثقافيّ البحت، ربّما جاز القول إن معارك التاريخ وتأويله في روسيا، وآخرها المعركة حول القيصر وإعدامه، بعد المعركة الأصغر المتعلّقة بضريح لينين، مؤشّر على الصعوبات التي يواجهها بوتين في ما خصّ تأليف رواية جامعة ومهيمنة عن تاريخ بلده. يفاقم تلك الصعوبات ضعف الاستعداد الروسيّ لمراجعة الذات والتاريخ الوطنيّ عموماً، على ما دلّل أكثر من باحث قارن بين الموقف الألمانيّ البالغ النقديّة من النازيّة والموقف الروسيّ المتردّد والمتأرجح في نقده الستالينيّة. وقد ينتهي الأمر تسمّراً في رواية قوميّة مزعومة وجامعة حيال الخارج، تقيم تحتها عشرات الروايات المتضاربة والمتصارعة في ما بينها حين يصل الأمر إلى تناقضات الداخل. وهذا ليس مما يطمئن.