منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ظهر اهتمام كبير بمقولات منهج تحقيق الحاجات الأساسية للبشر كطريقة صائبة لإحداث التنمية في دول العالم كافة دون استثناء. هذا المنهج يبدو بلا شك "طوباوياً" ويصعب تحقيقه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التوجهات الاقتصادية والفكرية لدى مجتمعات دول العالم المتقدم والقائمة على الربحية البحتة، وتحقيق المصالح الخاصة إلى أبعد مدى ممكن. ومن واقع ما تعاني منه دول العالم النامي من قصور تنموي، يتضح وجود الكثير من عدم الفهم لمقولات التنمية والتخلف لدى مثقفي العالم النامي. وفي الوقت الذي يقف فيه الجميع إلى جانب الرغبة في التنمية، فإن القليل منهم يستطيع تحديداً دقيقاً لما يقصده بذلك، وما الذي على المسؤولين الالتزام به لكي تتحقق التنمية. إذا ما افترضنا جدلاً بأن التنمية في عالمنا المعاصر مرتبطة بتحقيق العدالة بمفاهيمها الشاملة، فإن كل مثقف ينتمي إلى العالم النامي يرغب في تحقيق العدالة لمواطني بلاده، ولكن في الوقت نفسه، نلاحظ وجود حيرة لدى المثقفين فيما إذا كانت وسائل تحقيق العدالة تتعدى نطاق أوطانهم، لكي تأخذ طابعاً كونياً بالنسبة للأقطار الفقيرة تفرض قضايا التنمية ووجود علاقات مساواة بين الدول الوطنية وبعضها بعضاً نفسها قسراً على كل نقاش يدور حول قضايا التنمية. لكن الاختلاف في مستويات التنمية بين دول العالم، لا يمكن إعادته إلى مسألة الجهل بالأسباب والطرق والوسائل فقط، فالوسائل التنموية التي تساعد على قهر التخلف يوجد حولها اتفاق واسع ورواج كبير بين المتخصصين في الإصلاح التنموي للدول، ويوجد اتفاق على أهمية تخصيص الموارد اللازمة لتحسين إدارة القطاع العام وإصلاح الخدمة المدنية، وتعضيد اللامركزية وإقامة بنية تحتية لنظام قانوني وقضائي مناسب، ومن ثم إقامة نظام اقتصادي منتج قوي البنية يتمتع بميزات عدة أهمها انخفاض معدلات التضخم ومعدلات الضرائب، وبالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وبلا مركزية قرارات تخصيص الموارد. الطروحات والنقاشات الدائرة في عالم اليوم حول غياب التنمية بمفاهيمها الشاملة في دول العالم النامي، خاصة في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية ودور الدول المتقدمة في المساعدة على ذلك تؤكد العلاقة الوطيدة بين النمو الاقتصادي والأحوال الاجتماعية السائدة في كل قطر، فهذه العلاقة الوطيدة جزء أصيل من عملية ديناميكية. وفي صلب الموضوع، يكمن غياب الفهم الواضح لتلك العملية، الأمر الذي نشأ عنه القصور المستمر في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وبهذا، فإن المعضلة تظهر وكأنها غياب لأنماط محددة من التغير الاقتصادي لتحقيق أوضاع أفضل للبشر، وظهور أنماط أشد قسوة من عدم العدالة والمساواة الاجتماعية والمعيشية. من جانب آخر، يوجد طرح متعارف عليه عالمياً بأن الحكومات التي لديها قوانين واضحة يتم تطبيقها بإخلاص وتترأسها قيادات كفؤة تتمكن من تحقيق التنمية المنشودة بشكل فعّال، فإذا كان ذلك صحيحاً فلماذا إذاً من الضروري إقناع حكومات دول العالم النامي أوحثها أو حتى إجبارها من قبل الهيئات الدولية المتخصصة، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، على تبني السياسات الملائمة؟ المشكلة هي أن العديد من نظم الحكم في دول العالم النامي تفشل في توفير الحوافز الأولية اللازمة للشروع في بدء عمليات التنمية. إن العنصر الرئيسي في استراتيجيات منهج الحاجات الأساسية هو أن إيجاد السبل اللازمة الملائمة لتوفير حاجات الفقراء يجب أن يصبح جوهر سياسات التنمية لدى دول العالم النامي كافة، وذلك بدعم من المنظمات والهيئات الدولية المعنية ودول العالم المتقدم، عن طريق تقديم المعونات في بداية الأمر. وضمن النقاشات المتعلقة بجدوى تلك الاستراتيجية، خاصة في جانبها المتعلق بقدرة حكومات دول العالم النامي ذاتها على تحقيق التنمية الشاملة التي يطال مردودها جميع فئات شعوبها خاصة الفقراء منهم ورغبة العديد من نخبها الاقتصادية والسياسية في تحقيق ذلك، تبرز فوراً أهم قضية على الإطلاق، ألا وهي قضية المطالب والتوقعات الكبرى لدى الشعوب ورغبة النخب الحقيقية في إعادة توزيع الثروة والقوة في المجتمع. وأخيراً، فإن طبيعة إعادة توزيع الموارد الاقتصادية الموجودة لدى المجتمع التي ينادي بها منهج الحاجات الأساسية لا تتماشى مع الأنماط والتوجهات التي تسير عليها معظم، إنْ لم نقل جميع نخب دول العالم النامي، فهذه النخب ذاتها تتشكل منها القوى المضادة التي تقف بصلابة أمام عمليات إعادة التوزيع.