بادرني صديق: "ماذا تقرأ؟"، أجبته: كتاب جديد من تأليف الدكتور صائب عريقات بعنوان: "الحياة مفاوضات". عند هذه اللحظة، ارتفع صوت الصديق معلقاً: "طبعاً، أصبحت المفاوضات، بالنسبة لهم، هدف الحياة وأسلوبها دون أي مراعاة لكونها باتت عبثية"! لحظتئذ، داعبت الصديق قائلًا: "نحن نتحدث عن كتاب علمي وأنت (قلبتها) سياسة! دعنا نقرأ لك -يا أخي- ثم نحكم عليه". أما وقد انتهيت للتو من التجوال الدقيق في سطور "الحياة مفاوضات"، فألخص وأقول: الكتاب يبحث في تباين العوامل المشتركة للسلوك التفاوضي الإنساني من خلال وسائل وأساليب تأخذ بعين الاعتبار مصالح أطراف التفاوض وتطلعاتها ومخاوفها من خلال مفاوضات هدفها تأسيس العوامل المشتركة بين البشر لإحلال التعاون محل الخصام، والسلام محل الصراع. وبذلك، يعطي الكتاب قارئه خلفية ثقافية لأسس المفاوضات، وركائزها، وخصائصها، وكيفية إعداد الوفود التفاوضية، والتحضير للمفاوضات، وإعداد جداول الأعمال، وعقد الاجتماعات، والتعامل مع الرؤساء في العمل. وفي كل هذا، يقدم الدكتور عريقات أمثلة فردية تطبيقية لقضايا تتعلق بحياتنا اليومية، وممارساتنا فيها: بائعاً أم شارياً، إدارياً أم نقابياً، مستأجراً أم صاحب عقار، صاحب شركة أم موظفاً فيها، عميلاً لبنك أم ممثلاً له... محتلاً أم تحت الاحتلال! من هنا، يطلق المؤلف قانوناً خاصاً به من خلال العنوان: "الحياة مفاوضات". وهذا قانون فيه الصراع، والجدل، والمخاطرات، والحلول، والتسويات، والحرص، والتنازلات، وأخيراً التكيف والاتفاقيات. يوحي الدكتور عريقات لقارئه أن كون "الحياة مفاوضات" أمر أشبه بقوانين الوجود، مثل قانون الوجود الجدلي عند هيجل (الديالكتيك) الذي يشمل الحياة كلها في الطبيعة وفي المجتمع، ومثل قانون جدل التكيف (جدل تلازم الزوجين). ولأن المفاوضات تنتج عنها اتفاقيات، ينتظر -في زمن- (على رأي هيجل) تعديلٌ أو تبديلٌ أو إلغاءٌ حسب مصالح الأطراف الموقعة، نلاحظ أن مرجعية الكتاب (وليس بالضرورة مضمونه وهذا ما سنعرض له لاحقاً) هي نتاج التجربة التفاوضية الخاصة التي مارسها وخبرها المؤلف بوصفه مفاوضاً فلسطينياً -بل ضمن قمة الهرم التفاوضي- بحيث ظهر الكتاب كجهد مميز في مجال تخصص المؤلف. ولما كانت مكتباتنا الدبلوماسية، والتعليمية، والاجتماعية، والثقافية تفتقر إلى دراسات في مجال نظريات إدارة الصراع أو إدارة المفاوضات، جاء هذا البحث العلمي ليكون البداية لتأسيس نظريات في الموضوعين، ويسد الثغرات في مجاليهما. من كان وقته ضيقاً أو على عجلة من أمره أو أيما سبب يحول بينه وبين أن يقرأ الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، يمكنه أن يكتفي (مؤقتاً) بقراءة البنود الخمسين التي تشكل قواعد هامة في أية مفاوضات مهما كانت طبيعتها، وشكلها، ومكوناتها. وهذه القواعد ترد في الصفحات من 206 إلى 210. وتجدر الإشارة إلى أن محاولة وضع دراسات العلوم الاجتماعية في مختبرات التدريب (مثلها مثل مواد الأحياء، والفيزياء، والكيمياء) هي عملية هامة ومطلوبة لتأهيل الدارسين الشباب عند خوض غمار الحياة العملية في السياسة والمجتمع. وكم كان اختيار المؤلف "مساق نموذج القمة العربية وقادتها" رائقاً وناجحاً بدءاً من إعداد الأوراق البحثية ذات العلاقة بمرجعياتها الكثيرة والمتباينة في مراحلها وتطوراتها، وانتهاءً بانفتاح المساق للجمهور والصحافة (الصفحات من 222 إلى 231). وفي هذا كله، إنجاز إضافي. غير أن المؤلف لم يعط نبذة شافية حول السلوك التفاوضي للولايات المتحدة الأميركية كوسيط وكطرف ثالث بين الوفد المفاوض عن دولة الاحتلال والوفد المفاوض الفلسطيني منذ بداية التسعينيات. هنا، يقول المؤلف في صفحات مهمة المضمون والمغزى ما خلاصته إن المفاوض الأميركي يتعلم العناصر السبعة المكونة للمفاوضات: المصالح، الخيارات، الشرعية، العلاقة، الاتصال، الالتزام، والبدائل، وأن المفاوضات ترتكز على أسس قاعدة المصالح! وفي حين يسير المفاوض الأميركي مهتدياً بتلك العناصر في مفاوضاته مع كل الدول؛ من اليابان وحتى البرازيل، فإنه مع الفلسطينيين (مع الوفد الفلسطيني الذي "يفاوض" غزاة أرضه ولصوصها) لا يضع أياً من تلك العناصر على طاولة المفاوضات. فأسلوب الوفد الأميركي التفاوضي مع الفلسطينيين يرتكز على قاعدة ما هو ممكن(!) وليس على قاعدة ما هو مطلوب! والسؤال الذي نساق إليه هو: إلى متى سيوافق الطرف الفلسطيني على هكذا "وسيط"، وما العمل؟ فهل من بديل لذلك "الأسد" أي "الوسيط" المعادي لنا (الولايات المتحدة) الذي يخفي "حليفه الأرنب" الإسرائيلي وراءه ويتصدى نيابة عنه (الصفحات من 125 إلى 127)؟! وهذه، طبعاً، مسؤولية القيادة الفلسطينية، بل هي مسؤولية القوى "داخل" و"خارج" منظمة التحرير على حد سواء، بل هي مسؤولية الأمتين العربية والاسلامية في البحث عن بديل للحيثيات وللشروط التفاوضية المجحفة القائمة حالياً. ذلكم، فعلاً، هو السؤال المطروح، بشكل غير مباشر، في ثنايا "ما وراء السطور" في هذه الدراسة القيمة. ويبقى التمني بأن يقدم الدكتور عريقات (إلى جانب نماذج وتطبيقات لطلبته تتعلق بقضايا حياتنا اليومية) نماذج وتطبيقات أكثر وأوضح يأخذها من يوميات وتفاصيل ومخاطر المفاوضات الحقيقية التي شارك فيها مع الطرف اليهودي. فالمؤلف يعرف (أكثر من غيره وعبر معاناة قاسية يخوضها) أن مثال قضية "طلاق عادل ومنى" تحتاج لمفاوضات غير تلك الخاصة بقبول أو رفض الوساطة الأميركية مثلاً. والدكتور عريقات يعرف أكثر من غيره أن فرضية الوصية الخاصة بالأرض (صفحة 122) ووضع حلول لها، ليست كمعضلة "القدس" أو عودة اللاجئين إلى وطنهم وأملاكهم. ونموذج مفاوضات من أجل استئجار منزل (ومن يعرف ذلك أكثر من الدكتور صائب) هي غير المفاوضات مع طرف استعماري غاز صادَرَ البلاد ولا يزال يذبح العباد. إن خبرة المؤلف الفنية ومعرفته بالأسرار في هذا النطاق هائلة، وفعلاً نتمنى لو أنها تنعكس أكثر على مادة الكتاب في طبعته (أو طبعاته) القادمة. وفي هذا المقام، وبكل محبة، لا نقبل عذره إذ يقول: "وبدأت الكتابة قبل أكثر من ثلاثة أعوام لأضع كتاباً في سياق منطقي، مستنداً إلى ما يتوفر من مراجع أجنبية وعربية. لكن الأهم كان التجربة الشخصية، تجربة المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، وحاولت جاهداً عدم التطرق للمفاوضات ومحاضرها وتفاصيلها وخفاياها؛ لأني أعكف الآن على وضع كتاب حول هذا الموضوع، أرجو أن يرى النور قريباً". فرغم وجاهة العذر، ولكي يكتمل هذا الكتاب النادر، لابد من أن يعكس تجربة المؤلف في عالم الواقع المرير للمفاوضات الفلسطينية مع الطرف الإسرائيلي الأميركي (أم نقول الأميركي الإسرائيلي؟) من خلال إعطاء أمثلة بارزة عن هذه التجربة الغنية وتضمينها في هذا الكتاب -المرجع!