تحولت الأزمة المالية التي انطلقت بداياتها مع انهيار القطاع العقاري الأميركي قبل عام مضى، إلى أزمة دولية ذات تداعيات كارثية متباينة في شتى أنحاء العالم. ولم يتضح بعد ما إذا كانت الخطط التي تبناها كل من البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وعدد من البنوك الوطنية الأوروبية، بهدف إنقاذ نظمها المالية، سوف تدرأ خطر الانحدار إلى مرحلة خطيرة من الكساد الاقتصادي العالمي أم لا. وإذا ما استبعدنا جانباً عناوين الصحف الرئيسية التي صنعتها الانهيارات المدوية لمؤسسات أميركية خاصة عملاقة، مثل "ليمان براذرز" وشركة "إيه. آي. جي" الائتمانية الكبرى، فقد دبت تداعيات هذه الأزمة وتأثيراتها المؤلمة في شوارع كل من أميركا وأوروبا، مع توقع انتشار عدواها قريباً في الشوارع الآسيوية. والمقصود بهذه التداعيات، أن تراجع ثقة المستهلكين بالمؤسسات المالية، وتشاؤمهم من قدرتها على الصمود والبقاء في ظل هذه الأزمة، كانا سبباً رئيسياً وراء خفض المستهلكين لمعدلات إنفاقهم العام على كل شيء، من السيارات وحتى الوجبات التي يتناولونها في المطاعم. وللحقيقة فقد كان المستهلكون الأميركيون على وجه الخصوص، القوة الرئيسية المحركة للجزء الغالب من النمو الاقتصادي الذي تحقق طوال العقد الماضي. وتعود هذه الحقيقة إلى قدرة المستهلكين الأميركيين على الحصول على أي أرصدة ائتمانية رغبوا في الحصول عليها من المؤسسات المالية، طالما ظلت بيوتهم ممتلكات ثمينة وضماناً ائتمانياً لهم لا يطاله الخطر ولا الشكوك. وقد مكنت زيادة إنفاقهم طوال العقد الماضي، الدول الآسيوية وبخاصة الصين، من تحقيق فائض كبير للغاية في حساباتها التجارية داخل الولايات المتحدة الأميركية. وفي الوقت نفسه شكل هذا الفائض حافزاً كبيراً مشجعاً للعمالة الصينية على إنتاج مزيد من السلع التي تصدّر إلى أميركا وغيرها من دول العالم. وقد توازى انهيار ثقة المستهلكين الأميركيين في المؤسسات المالية، مع تزايد حالات الحرمان القسري من الرهن العقاري التي عاناها مالكو البيوت الأميركيون، في مقابل ارتفاع المؤشرات الإحصائية الخاصة بمعدلات البطالة، وانخفاض قيمة حسابات الادخار الخاصة بالأفراد المتقاعدين. ومما زاد الطين بلة وسوءاً، انخفاض السقف الائتماني إلى درجة كبيرة، متأثراً في ذلك بانهيار الثقة في المؤسسات المالية. وهذا ما يضع عراقيل كبيرة أمام مساعي المستهلكين للحصول على مزيد من القروض والأرصدة الائتمانية اللازمة لتمويل مشترياتهم الجديدة، أو لتصريف أعمالهم واستثماراتهم اليومية، ناهيك عن توسيع هذه الاستثمارات. تجدر الملاحظة أن هذه العراقيل والعوائق، لم ينج منها حتى أكثر المستهلكين ضماناً وثقة واستحقاقاً للحصول على ما يريد من تمويل إضافي لاستثماراته. ولعل الخبر الإيجابي الوحيد الذي سمعه المستهلكون مؤخراً، هو انخفاض أسعار الجازولين والبنزين، نتيجة لانخفاض الطلب العالمي على منتجات النفط، تحسباً لموجة كساد عالمي جديدة. وفي حين تحمل أخبار انخفاض أسعار النفط العالمي هذه، ما يسر المستهلكين، إلا أنها تسبب مشكلة في الوقت نفسه بالنسبة للدول المصدرة لهذه المنتجات. فقد أصبح لزاماً عليها إعادة حساب موازناتها، إلى جانب اتجاهها لتقليص إنفاقها قسطاً مقدراً من عائداتها المالية النفطية في كسب مزيد من الأصدقاء، وتوسيع دائرة نفوذها العالمي في مختلف أرجاء المعمورة. والحقيقة أن التأثيرات السالبة لموجة انخفاض أسعار النفط العالمي، سوف تكون أكثر إيلاماً وضرراً بالدول المصدرة للنفط ذات الكثافة السكانية العالية، مقارنة بنظيراتها من الدول المنتجة والمصدرة للنفط، ذات الكثافة السكانية الضئيلة مثل النرويج ودول الخليج العربي. وعليه فإن دولاً مثل إيران وفنزويلا سوف تكون الأشد تأثراً بموجة الانخفاض هذه، بسبب سوء إدارة اقتصادها الوطني، واعتمادها على فائض العائدات النفطية في الإنفاق على التغطية على عيوبها وقصور أدائها الإداري والسياسي. وتتزامن هذه الأزمة الاقتصادية مع أوج حمى أهم انتخابات رئاسية تشهدها أميركا. وفيما لو لم تقع أي هجمات إرهابية جديدة على بلادنا خلال ما تبقى من الأسابيع القليلة الفاصلة بيننا وبين معركة نوفمبر الحاسمة، فإنه من المؤكد أن يسيطر الاقتصاد على قضايا الفترة المتبقية من الحملة الانتخابية. ومن المفترض أن يكون المستفيد الأكبر من هذه الهيمنة، السناتور باراك أوباما وحزبه الديمقراطي، طالما أن وزر اللوم الأكبر في هذه الأزمة المالية الكارثية التي ضربت البلاد، يقع على سياسات إدارة الرئيس بوش وحزبه الجمهوري. لكن مع ذلك، تظل الشكوك تراوح مكانها حول سياسات أوباما، كما تثار الأسئلة حول خلفيته الشخصية وقدراته القيادية. وهذه هي نقاط الضعف التي سوف تسعى حملة منافسه الجمهوري جون ماكين، لاستغلالها واستثمارها إلى أقصى حد ممكن، طالما أدرك طاقم الحملة جيداً أنه لا سبيل لها ولا للحزب الجمهوري لاستعادة ثقة الناخبين في قدرة الحزب على إصلاح ما خربته سياساته في الجانب الاقتصادي. وعليه فمن المتوقع أن يشتد الهجوم والنيل الشخصي من أوباما. غير أنه من الواضح الآن، أن حملة أوباما قررت نزع القفاز عن يديها، وتوجيه لكمات قوية عارية إلى ماضي ماكين الشخصي، وفضح ما اعترى سيرته من انحرافات ونزق سابقين. وبصرف النظر عن لأيهما سيكون الفوز بالمنصب الرئاسي في الرابع من نوفمبر المقبل، فإنه من المؤكد أن النواب الديمقراطيين سيعززون أغلبيتهم وهيمنتهم الحالية على كل من مجلسي الشيوخ والنواب. ويعني هذا أن يواجه ماكين -في حال فوزه بهامش انتخابي ضئيل على منافسه أوباما- معارضة ديمقراطية ناقمة قوية وموحدة الصفوف داخل الكونجرس. وبذلك سوف تتقلص قدرته كثيراً على اتخاذ قرارات أحادية في مجالي السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. وهناك من المراقبين من يرى، أن معادلة سياسية كهذه بين البيت الأبيض والكونجرس -في حال فوز ماكين- سوف تكون أفضل من اكتساح الديمقراطيين للمؤسستين معاً، ما يعني غياب القيود والروادع لتبنيهم نهجاً ليبرالياً كاملاً لا تحده حدود، ولن يزيد المجتمع الأميركي إلا انقساماً واستقطاباً سياسياً أشد حدة وخطراً.