ما أشبه توجيه الانتقادات إلى سارة بالين بإطلاق النار على سمكة مسكينة تائهة داخل برميل. لكن وبالنظر إلى حجم الاهتمام الذي تحظى به، فليس من سبيل لتجاهل ما تعين عليها قوله. ومن بين كل الذي قالته حتى الآن، رسخ في ذاكرتي أمر واحد تعرضت له خلال المناظرة التي جرت بينها ومنافسها "الديمقراطي" جوزيف بايدن: "لقد قلت مؤخراً إن رفع الضرائب ومطالبة المواطنين بسدادها يعد سلوكاً وطنياً. ولكني أود أن أنفي صفة الوطنية هذه التي نسبتها إلى ارتفاع الضرائب والتزام المواطنين بسدادها، حين يتعلق الأمر بالطبقة الوسطى الأميركية، التي ظللت أنا وغيري من أفرادها على انتمائنا لها طوال العمر". ومن جانبي أقول: يا له من قول شنيع، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار دفاع بالين عن تكلفة خطة إنقاذ الاقتصاد القومي البالغة 700 مليار دولار، وكذلك تأييدها لاستراتيجية زيادة عدد قواتنا في العراق، حيث يؤدي ابنها الخدمة العسكرية حالياً. كما تؤيد بالين خطة إرسال المزيد من قواتنا إلى أفغانستان. ومع ذلك تنفي بالين الوطنية عن التزام المواطنين الأميركيين بسداد ما عليهم من ضرائب عادلة، تهدف إلى دعم كافة هذه الجهود الحكومية! وكم كان أملي أن يُوجه إليها السؤال التالي: سيدة بالين...إذا كنت لا تعتبرين من الوطنية في شيء، أن يسدد المواطنون ما عليهم من ضرائب مقررة، فمن أين تأتي الأموال التي يشتري بها الجيش السترة الواقية من الرصاص التي تحمي جسد ابنك في العراق؟ ثم من سيدفع تكلفة خطة الإنقاذ الاقتصادي التي تؤيدينها؟ وإذا لم تكن العائدات الضريبية هي المورد الذي يمول تكلفة هذين المشروعين العملاقين، فعندها لن يكون أمامنا سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما طباعة المزيد من الأموال، أو اقتراض المزيد منها. فهل تعتقد السيدة بالين أن اقتراض المزيد من الأموال من الصين مثلاً، أكثر وطنية من التزامنا بسداد الضرائب المقررة علينا؟ ولما كانت السيدة بالين من رافعي شعار: لتكن أميركا أولاً، أي أن تتصدر بقية دول العالم في كل شيء، فعليها أن تعترف بأن تصريحاتها هذه تهدف في الواقع إلى رفع شعار "لنبيع أميركا أولاً"! وأستميح السيدة "بالين" عذراً لأذكّرها بهذه المناسبة، بأني قد ترعرعت في أسرة متجذرة في الطبقة الوسطى حتى النخاع، في إحدى ضواحي مينيابوليس، وأن أبويّ قد علماني منذ الصغر أن دفع الضرائب ليس مزحة، لأنها تمول الشرطة والجيش وتسير جامعاتنا الحكومية ومدارسنا العامة، فضلاً عن تمويلها للبحوث العلمية وخدمات الرعاية الصحية... والعناية بالعجزة والمسنين ... وكل شيء. بل علمت أنه ليس من أحد عبر عن أهمية سداد الأميركيين للضرائب من "جستيس أوليفر ويندل" بقوله: أنا أحب دفع الضرائب، لأني أشتري بها الحضارة. وفي مقدوري فهم اعتراض أحدهم على القرار الذي اتخذته الحكومة الفيدرالية فيما يتصل بتمويلها لخطة الإنقاذ الاقتصادي، وأن يقول هذا المحتج ألا دخل للحكومة بإنقاذ الاقتصاد القومي من الأساس. غير أنه يُصعب عليّ جداً فهم أن يعتقد شخص آخر - مثلما فعلت سارة بالين - أن من واجب الحكومة التدخل مالياً لإنقاذ اقتصادنا من الانهيار، ولكنه يرفض في الوقت نفسه أن يسدد المواطنون الضرائب المقررة عليهم. وبالمثل أستطيع أن أفهم إذا ما قال أحدهم ألا شأن لنا بما يحدث في العراق، أو بما يؤول إليه مصيره. ولكن كيف لي أن أفهم أن يطالب أحدهم بأن نواصل بقاءنا في العراق إلى حين تحقيق النصر الحاسم على أعدائنا وأعداء الديمقراطية هناك، ولكن شريطة ألا نسدد الضرائب المفروضة علينا بصفتنا مواطنين؟ وإني لأعجب من المعلقين الصحفيين "المحافظين" الذين لا يكلون عن إخبارنا باستمرار، بأن سارة بالين هي المرشحة الملائمة لتولي منصب نائب الرئيس. فالأرجح أن هؤلاء لا يدركون مدى الخطر الذي تقدم عليه بلادنا. فهي تمر بعاصفة اقتصادية حقيقية، لا يدري أحد مدى السوء الذي يمكن أن تنحدر إليه. وقد ضربت آثارها المدمرة النظام المالي العالمي بأسره، إذ لم تعد المؤسسات الائتمانية والتمويلية تثق بأحد، ما دفعها للإحجام عن تمويل الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية أياً كانت. وهذا ما رأينا تداعياته مؤخراً في كل من روسيا وآيسلاندا. ولا شيء آخر سوى الحكم الرشيد، بقادر على إنقاذ بلادنا والعالم بأسره، من موجة التسونامي الاقتصادي المحدقة به. وسواء كنت أتفق أو اختلف مع المرشح الرئاسي جون ماكين، فإني لا أشك مطلقاً في تمتعه بالمهارات والخبرات القيادية الواجب توفرها في من يتولى الرئاسة. أما نائبته المفترضة سارة بالين، فمن الواضح أن سياساتها وآراءها الجديدة "المبتكرة" إنما هي "بدعة"ستدفع ببلادنا إلى أسوأ أزمة اقتصادية مالية عرفتها في تاريخها على الإطلاق. كما يجب القول إن ما تنادي به بالين من نفي للوطنية عن التزامنا بسداد الضرائب، يتنافى تماماً مع ما يعتقده المحافظون في حزبها. وأرجو ألا تقولوا لي إنها سوف تعوض نقص خبرتها السياسية بفريق من المستشارين الأذكياء. فهل من دليل على خيبة هذا الزعم من اختلاف مستشاريها من الآن؟ كما أرجو ألا تحدثوني عن أنها خبيرة في مجال الطاقة. فقد سبق لها أن كانت حاكمة لولاية ألاسكا، التي تعادل عندنا هنا المملكة العربية السعودية. وإذا كانت لهذه الأخيرة مصلحة في زيادة اعتماد بلادنا على صادرات منتجاتها النفطية، فهذا هو عين ما تساعدها عليه سارة بالين، بتأييدها لسياسات الطاقة القائمة على النفط وغيره من موارد الطاقة الأحفورية. وليس في هذا التأييد من الوطنية في شيء. فالوطنية أن ندفع ببلادنا نحو الابتكار الخلاق في كل المجالات، بما فيها مجال الطاقة البديلة المتجددة. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"