اتسمت طفرة النفط الحالية والمستمرة منذ ثلاثة أعوام 2006 - 2008 بالعديد من الخصائص التي ميزتها عن الطفرتين السابقتين في عامي 1974 و1981 وذلك على رغم التشابه الظاهر بين الطفرات الثلاث، فهناك مستجدات إيجابية وأخرى عكست اتجاهها تحت وطأة الأحداث والأزمات العالمية التي خلفت وراءها انعكاسات أثرت في كافة اقتصادات بلدان العالم، المصدِّر منها للنفط والمستورد على حد سواء. ولعل أول المستجدات هو أن هذه الطفرة جاءت على عكس الطفرتين السابقتين في ظل عجز الموازنات في البلدان النفطية، وارتفاع الدَّين العام الذي تجاوز مستوى الأمان المقدر بـ60 % من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى أكثر من 100% في بعض البلدان الخليجية. الطفرة النفطية الحالية أنهت العجز في الموازنات السنوية بعد أن عانت منه هذه الموازنات على مدى أكثر من عشر سنوات، بل وخفضت الدَّين العام إلى أقل من 20% من الناتج المحلي، ووفرت فائضاً نقدياً لدى البلدان المنتجة للنفط ولأول مرة منذ سنوات طويلة. وهذا التحول في العائدات النفطية فتح آفاقاً واسعة أمام تغيرات مالية ذات أهمية بالغة، وبالأخص لدول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى لإصدار عملتها المشتركة مع حلول عام 2010، فبدون هذا الارتفاع الكبير في الأسعار لم يكن بإمكان بعض دول المجلس الالتزام بالمعايير الخاصة بإصدار العملة الموحدة، وهذا ثاني أهم المستجدات التي تمخضت عن طفرة النفط الثالثة. ووفق المعايير المتعارف عليها، فإن كافة دول المجلس حالياً، بما فيها سلطنة عُمان، تستطيع تلبية المتطلبات الخاصة بإصدار العملة الخليجية، مع كل ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات إيجابية كبيرة على الاقتصادات الخليجية، دون استثناء. ولذلك، فإن الطفرة الثالثة وفرت ظروفاً مثالية مواتية لإصدار العملة الموحدة في موعدها واستغلال هذه الفرصة على اعتبار أن الأوضاع المالية في دول المجلس لم تكن في يوم من الأيام بمثل هذا التقارب الذي هي عليه الآن. وثالث هذه المستجدات يكمن في البروز الملحوظ للصناديق السيادية في دول الخليج، فبفضل هذه الطفرة تضخمت الصناديق السيادية الستة في دول المجلس، بل لقد أصبح لبعضها شأن كبير في العلاقات المالية العالمية، كما أنها أصبحت تشكل مصدراً مهماً من مصادر الدخل وتمويل الموازنات السنوية في دول المجلس إلى جانب العائدات النفطية، مما يتيح مرونة أكبر للتأقلم مع تقلبات أسواق النفط في العالم. والمستجد الرابع، يرتبط بمعدلات النمو في الاقتصادات النفطية التي لم يسبق لها مثيل بتجاوزها 20% في بعض البلدان، وذلك كنتيجة طبيعية لتضاعف أسعار النفط من جهة، والنمو المتواصل للقطاعات غير النفطية التي شهد بعضها طفرة في النمو، كالقطاع العقاري والمالي من جهة أخرى. أما الميزة الخامسة والأخيرة التي لم تصاحب الطفرتين السابقتين، فإنها تتعلق بمعدلات التضخم العالية التي صاحبت الطفرة الثالثة، فالطفرتان الأولى والثانية رفعتا من معدلات التضخم في البلدان المستوردة للنفط بصورة أساسية، إلا أن الطفرة الحالية لم تستثن أحداً، مما قلل من حجم المكاسب المترتبة على ارتفاع أسعار النفط، وذلك إلى جانب الانخفاض الكبير في سعر الدولار الأميركي الذي تسعّر به مشتريات النفط في الأسواق العالمية. والحال أن معدلات التضخم التي تجاوزت 15% في العديد من البلدان النفطية وفق المصادر الرسمية لم تعرفها هذه البلدان من قبل، ففي العقود الثلاثة الماضية لم تتجاوز معدلات التضخم 5% بشكل عام. وإلى جانب العوامل الخارجية التي ساهمت في رفع معدلات التضخم المستورد بنسب ضئيلة في الطفرتين السابقتين، فإن معدلات النمو المرتفعة في الطفرة الثالثة ولَّدت عوامل تضخم محلية ناجمة عن ارتفاع الطلب على مختلف أنواع السلع والخدمات، وبالتالي ارتفاع أسعارها وفق قانون العرض والطلب. وختاماً فإن المحصلة العامة للطفرة الحالية، هي إيجابية، كما هو الحال في الطفرتين الأولى والثانية، وخصوصاً أن العوامل المحلية التي ساعدت في ارتفاع معدلات التضخم في طريقها للاستقرار وإعادة التوازن لطرفي معادلة العرض والطلب في أسواق البلدان المنتجة النفطية.