بينما كنت أتمشى عبر أروقة مطار "هيثرو" خلال أحد أيام هذا الصيف في انتظار الطائرة التي ستقلني إلى الولايات المتحدة، وقعت عيناي على عنوان لافت في الصفحة الأولى لإحدى الصحف: "انتهاء عهد رهونات الـ105%". وبعد ركوبي الطائرة بحوالي نصف ساعة كنت لا أزال أحاول استرداد أنفاسي - وعقلي أيضاً - لأفهم ما الذي كان يعنيه ذلك العنوان. ولم يكن ما اكتشفته ساراً بأي حال من الأحوال. لقد اكتشفت "أن رهونات الـ105%" تعني أن البنوك الحمقاء كانت تقرض عملاءهم الحمقى قروضاً بسعر فائدة رخيصة ومغرية للغاية. ولم تكتف تلك البنوك بإقراض عملائها 100% من قيمة القرض العقاري، لكنها كانت تقرضهم إلى جانب ذلك 5 % من إجمالي قيمة القرض لإجراء ما يريدون من تحسين على العقار. والمشكلة أن هذا النمط من الاستهتار المالي، كان متفشياً في أكبر اقتصادات العالم، وأن سياسة "اشتر الآن وادفع فيما بعد"، وسرطان "احصل على قروض عقارية دون أية مسؤولية"، قد امتصت طاقة البنوك والمستثمرين في معظم أجزاء العالم "المتعولم". والغريب أن أزمة الرهونات العقارية عالية المخاطر التي وقعت في الولايات المتحدة، قد تم تمويلها بلهفة من قبل البنوك السويسرية المعروف عنها أنها كانت تتوخى الدقة والصرامة في إجراءاتها قبل أن تقع تلك الأزمة، بل وتم تمويلها أيضاً من قبل "جمعيات البناء" البريطانية ذات الملامح الديكنزية في "نورث يوركشاير". ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تم تمويل تلك الرهونات أيضاً بطريقة غير مباشرة من قبل مؤسسات الاستثمار النرويجي والصيني. والنتيجة الملموسة نراها واضحة أمامنا الآن، ويكفي أن نتامل صور مئات الفيلات والقصور الفخمة غير المكتملة البناء، في مختلف أرجاء أريزونا كي ندرك فداحة ما حدث. لكن البنوك والمقترضين الحمقى لم يكونوا الوحيدين الذين تعرضوا للأذى بسبب أزمة الرهن العقاري. فتداعي مؤسسات مالية محترمة، وردود الفعل الخرقاء للمشرعين، وما يعرف بتأثير الموجة ينتشر الآن عبر كافة البلدان. وبينما تتقدم تلك الأمواج بقوة، فإنها تجتاح في طريقها الكثير من الضحايا وتوقع الكثير من الخسائر، لتحتل أخبارها صدارة صفحات الصحف وشاشات التلفاز، وقد اشتملت على أسماء شهيرة في عالم المال والأعمال مثل "بير ستيرنز" و"نورثرن روك" و"ليمان براذر" و"واشنطن ميوتشوال" و"بنك هاليفاكس الاسكتلندي" واضطرت مؤسسات غيرها مثل "مورجان ستانلي" و"جولدمان ساتش" للتحول نحو نشاط مالي آخر حتى تتمكن من البقاء على قيد الحياة. وحتى تلك الكيانات التي كانت تمتلك أصولاً رأسمالية تكفي لضمان خروجها سالمة من الأزمة، ولشراء أجزاء من أصول شقيقاتها الهالكات في ساحة السوق الهائلة، وجدت نفسها تعاني من أوضاع مالية مترنحة. وليس من المتوقع أن تنتهي تلك الأزمة عما قريب حيث يتوقع أن عدداً كبيراً من البنوك المتوسطة الحجم قد أصبحت الآن على حافة الانهيار، وربما لن تستفيد من صفقة الإنقاذ الهائلة التي أقرها الكونجرس. في نفس الوقت يفقد عشرات الآلاف من العاملين في البورصات والبنوك، ممن يتقاضون رواتب ضخمة، وظائفهم، كما تختفي تدريجياً عاداتهم في الإنفاق الترفي، ما سيؤدي بالضرورة إلى إلغاء مزيد من الوظائف في الطبقات الأدنى وصولاً إلى نهاية السلم. ليس هذا فحسب بل نجد المشروعات الصغيرة التي كانت تريد زيادة قوة العمل لديها، وحديثي الزواج الذين كانوا يريدون شراء أول شقة في حياتهم الزوجية... غير قادرين على تحقيق ما كان يخططون له. إن الكبار والصغار قد تعرضوا للخسارة في هذه الأزمة، وليس من شك أن وكالة الاستثمار الصينية التي أودعت عدة مليارات من الدولارات في "فانيماي" و"فريدي ماك" تلعق جراحها الآن. وإذا ما ألقينا نظرة على بعض النتائج غير المقصودة لأزمة الرهن العقاري، فسوف يتبين لنا أنه بينما ينكمش الاقتصاد المعولم، فإن العديد من الشركات التي استطاعت المحافظة على وجودها، ستشعر بالضرر هي الأخرى بسبب هذه الأزمة .لذلك، توقعوا أن تتأثر مبيعات شركتي "بوينج" و"إيرباص" من الطائرات الحديثة التي كانت شركات الطيران تتهافت عليها وتلح على سرعة استلامها... كما يمكنكم أن تتوقعوا أيضاً أن الترسانة البحرية الكورية الجنوبية ستشهد نقصاً ملحوظاً في عدد الطلبات التي تتلقاها من أجل تصنيع حاويات للعديد من الدول. توقعوا أيضاً أن تتم إعادة النظر في خطط استكشاف البترول... وتوقعوا كذلك أن تشهد شركات تصنيع المعدات والمكاتب وأجهزة الكمبيوتر العملاقة، هي الأخرى انخفاضاً في طلبات الشراء، بما يتناسب مع هبوط قيمة أسهمها وفقاً لمؤشر "ناسداك" على امتداد الفترة الماضية. وهذا الانكماش سيجعلنا نشهد انخفاضاً في أسعار العديد من السلع وخصوصاً النفط. وهذا بالطبع ليس بالشيء السيئ في حد ذاته على الأقل بالنسبة للمستهلكين الأميركيين وغيرهم من الأوروبيين المعتمدين على هذه المادة والذين سيسعدون بالطبع عندما يروا الأسعار وقد انخفضت إلى 85 دولاراً للبرميل في الفترة القادمة خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء. علاوة على ذلك، فإن انخفاض أسعار النفط سيؤدي إلى ضرب الدول المصدرة للنفط مثل فنزويلا شافيز وروسيا بوتين التي ستشعر، ربما أكثر من أي وقت مضى، أنها مضطرة للاعتماد على أسعار الإنتربنك في لندن، وعلى أسعار خام غرب تكساس. وليس هناك من شك في أن إغلاق البورصة الروسية هذا الأسبوع، وما سنشهده من خروج لرؤوس الأموال من هناك سوف يمثلان كابحاً جيداً على سياسات موسكو الخارجية المتغطرسة. ولا يقتصر الأمر على أميركا وأوروبا وروسيا، بل نجد أن الصين الصاعدة هي الأخرى تتعرض لرياح تلك العاصفة المالية الغربية، كما تتأثر بالتقلصات الرأسمالية التي تحدث بعيداً عنها بآلاف الأميال والتي يمكن أن تجعلها تتردد في استثمار مليارات الدولارات داخل السوق الأميركية رغم النصائح التي يقدمها لها مستشارو "وول ستريت" بضرورة إيداع أموالها في "ملاذات آمنة" في أميركا. والسؤال المهم: إلى أين تذهب الدولارات إذن، وأين ستذهب سمعة أميركا الطويلة الأمد، كملاذ آمن للاستثمارات؟ في خاتمة المطاف فإن أكبر الخاسرين سيكون الولايات المتحدة ذاتها. ولست أعني بذلك فقط، مستويات معيشة عشرات ملايين الأميركيين ولكن أيضاً "ثقلها" العسكري الاستراتيجي الدبلوماسي في الشؤون العالمية. إن الأزمة الحالية تأتي بمثابة ضربة متأخرة في نهاية فترة الثماني سنوات التي تمثل ولاية الإدارة الحالية، والتي أضعفت وضع أميركا ومكانتها بطرق عديدة. والحقيقة أن المرء لا يملك سوى إبداء إعجابه بشجاعة السيناتورين ماكين وأوباما (أو ربما يبدي انزعاجاً من افتقارهما للخيال) لرغبة كل منهما في دخول بيت أبيض مليء بالآواني الصينية المهشمة. بينما كنت ألقي نظرة خوف على مفردات مرتبي التقاعدي، شعرت بأنني كنت على حق عندما شغلت نفسي بمعرفة ماذا كان يعنيه ذلك العنوان الذي قرأته في إحدى الصحف في مطار هيثرو. ففي هذا العالم المتعولم المترابط مع بعضه، ليس هناك من رجل ولا امرأة يستطيع العيش في جزيرة منعزلة، ما أعاد إلى ذهني كلمات الشاعر الإنجليزي "جون دون" الخالدة: "لا ترسل أحداً كي يعرف لمن تدق الأجرس... لأنها تدق لك". ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"