سمعنا الكثير عن الرعاية الصحية المجانية الشاملة خلال الآونة الأخيرة. لكن قبل أن نتخلى عن المنافسة التي تكفلها السوق الحرة، يجب أن نضع في اعتبارنا أن التنظيم الحكومي للمستشفيات والمهنيين الطبيين، هو المسؤول عن جعل الرعاية الطبية أغلى مما يلزم. قلما نسمع عن الصعوبات المتعلقة بإيجاد الطبيب وتوزيع الخدمات وضعف جودة الرعاية المقدمة في إطار برامج الرعاية الطبية المجانية الشاملة، وذلك رغم أن البرامج الحكومية في كاليفورنيا تعرف مشاكل من هذا النوع بالجملة. وصحيح أن الأفراد المؤمَّنين في إطار برنامج "ميديكير" بالولاية يتوفرون على "تأمين"، لكنهم في كثير من الأحيان يعجزون عن إيجاد أطباء أو مختصين للاعتناء بهم بسبب معدلات التعويض المنخفضة. ثم إننا قلّما نسمع عن خيار آخر، ألا وهو الخيار الجيد الوحيد، أي الابتكار لجعل الرعاية الطبية أرخص كلفة وأوسع انتشاراً. وعندما أقول رعاية طبية رخيصة، فلا أقصد أن ندفع للأطباء مبالغ أقل، وإنما أن نوفر رعاية صحية عالية الجودة بكلفة أقل. فعلى سبيل المثال، ليس المرء مضطراً لإجراء الفحوص الطبية في عيادات غالية، بل أعتقد أن علينا معارضة القانون الذي ينص على ضرورة توفر المتخصصين في قياس السمع على شهادات دكتوراه لأنه ينبغي أن تكون للمرضى خيارات منخفضة الكلفة فيما يتعلق بإجراء اختبار بسيط للسمع. وعلى نفس المنوال، علينا أن نعيد النظر في القوانين التي تنص على ضرورة توفر مساعدي الأطباء والمتخصصين في العلاج الطبيعي والممرضين الرئيسيين على شهادة ماجستير. إن أحد الأسباب التي تقف وراء ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية هو أن المدافعين عن المهنيين الطبيين والمستشفيات، يستعملون مثل هذه القوانين لحماية زملائهم من المنافسة. والحال أنه إذا استمروا في عرقلة الحلول المبتكرة التي تروم خفض الكلفة، فإن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية، غير تلك التي يرجونها، حيث سيشعر الجمهور بالإحباط وخيبة الأمل إلى درجة تدفعه للمطالبة برعاية صحية مجانية شاملة، من المستبعد أن تكون بدون تداعيات على القطاع الصحي وعلى بقية القطاعات المهنية الأخرى. يمنحنا نجاح المصحات الصغيرة عبر البلاد نظرة عما يمكن للابتكار أن يحققه للمرضى؛ حيث تضم هذه المصحات، التي أخذت تتكاثر وتظهر في سلسلة صيدليات "سي في إس" وأسواق "وول مارت" و"تارجت"، ممرضين رئيسيين، وتقدم رعاية طبية بأسعار معقولة (فالمرء ليس مضطراً لأن يكون طبيباً كي يشخص احمرار العين أو التهاب الأذن). وستستمر الابتكارات في القدوم ـ لكن فقط إذا ما سمحنا بذلك ـ إذ إن التقدم في برامج الكمبيوتر وغيرها من وسائل التشخيص من شأنها أن تحسن التشخيص والعلاج الطبيين بشكل كبير؛ كما ستجعل الرعايةَ الطبية متاحةً وفي متناول عدد أكبر من الناس عبر السماح للمهنيين الطبيين متوسطي المستوى والأقل غلاءً بتشخيص ومعالجة مزيد من الأمراض. بيد أن المجموعات الضاغطة المدافعة عن الأطباء تخوض حرباً شعواء ضد هذه الابتكارات؛ حيث يجادل العديد من الأطباء بأن البرامج الحاسوبية تخطئ في بعض عمليات التشخيص. لكن، هل يقصدون أنهم لا يخطئون أبداً في عمليات التشخيص التي يقومون بها؟ بعض الخبراء ينفون، حيث كتب ديفيد ليونهارت في صحيفة "نيويورك تايمز" يقول: "لقد أظهرت دراسة عمليات التشريح أن الأطباء يرتكبون أخطاء في تشخيص أمراض خطيرة في حوالي 20 في المئة من الحالات"، مضيفاً أن "أخطاء التشخيص تقتل آلاف الأميركيين كل عام". ورغم كل عيوبه، فإن لقطاع الرعاية الطبية إيجابيته؛ ذلك أنه يساهم في واحد من أعلى معدلات البقاء على قيد الحياة في العالم بالنسبة لأمراض السرطان وأمراض خطيرة أخرى. كما أن المرضى لا يضطرون عادة للانتظار لفترة عام من أجل زراعة مفصل الورك؛ وأن يكون عمر المريض 70 عاماً لا يقصيه من عملية زرع الكلية. وعلاوة على ذلك، فالابتكارات الطبية الأميركية تفيد البلدان الأخرى التي تعاني من قلة هذه الابتكارات في البرامج التي تديرها الحكومة. وبدلا من التخلي عن كل ذلك، لنقم بإزالة القوانين التضييقية التي تقيد الرعاية الطبية حتى يجد العاملون في القطاع الصحي طرقاً مبتكرة لتقديم رعاية عالية الجودة وبكلفة رخيصة. ولنُزل شروط ومتطلبات التعليم الصارمة بشكل متزايد بالنسبة للمهنيين الطبيين وندعهم يقدمون فحوصات طبية وخدمات أخرى في متناول الجمهور وبأسعار تنافسية. ولنكن متأكدين أنهم، وعلى غرار "وول مارت" و"مينيت كلينيك"... سيعتمدون على اسم الماركة والسمعة من أجل ضمان الجودة. كما علينا أن نشجع بشكل أكبر وأفضل حسابات التوفير الصحية التي تضع الإنفاق بين أيدي المستهلكين وتشجعهم على اختيار بدائل أرخص من حيث الكلفة. على أن المصحات ليست سوى الخطوة الأولى؛ فأملي هو أن يصبح تزايد الإقبال وانخفاض الكلفة واضحين بسرعة ويحشدا الدعم لمزيد من الابتكارات. إن التغطية الشاملة المجانية تبدو جذابة، لكنها لا تعني أن الحكومة ستتولى تسيير القطارات. والحال أن الحكومة، هنا في أميركا وخارجها، لا تتوفر على سجل جيد بخصوص الإقبال والإشراف والابتكار. وعليه، فقبل أن نتخلى عن الأسواق الحرة، يجدر بنا أن نمنحها فرصة. شيرلي سفورني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذة الاقتصاد بجامعة "كاليفورنيا ستيت نورثريدج" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"