شغلت الأغذية الملوّثة بمادة "الميلامين" سلطات الرقابة الغذائية والصحية في كثير من دول العالم خلال الفترة الأخيرة، حيث يتوالى اكتشاف أنواع من الحلوى والشيكولاته ومنتجات الحليب الملوّثة بهذه المادة الكيماوية المسبّبة للأمراض القاتلة، خاصة لدى الأطفال. هذه المادة الكيماوية التي تستخدم في صناعة المواد الصمغية والمنتجات المنزلية البلاستيكية، التي يمكن أن تسبّب أضراراً صحية خطرة للكبار في حال تناولها بكميات كبيرة، كانت تضاف إلى الحليب في "فضيحة غذائية" اعترفت بها بعض الشركات الصينية المنتجة للحليب، بهدف اجتياز اختبارات الجودة من خلال رفع وهمي لنسبة البروتين وإظهار احتواء الحليب الملوّث على نسب أعلى من البروتين، ما تسبّب في وفاة أربعة رضّع ومرض عشرات الآلاف من الأطفال وإصابتهم بأمراض مختلفة. خطورة الأمر تكمن في استخدام هذا الحليب الملوّث في تصنيع منتجات الشيكولاته والحلوى الشهيرة، التي تنتجها بعض الشركات العالمية متعدّدة الجنسيات، وربما يتّضح مدى اتساع مجال هذه القضية من خلال إدراك حجم اهتمام السلطات الصينية بها، حيث ذكرت مصادر صحفية صينية أن السلطات هناك جنّدت نحو 500 مفتش لمراقبة مصانع الألبان على مدار الساعة، في محاولة لاستعادة ثقة المستهلكين في الداخل والخارج، كما تدخّل الرئيس الصيني نفسه وحثّ شركات بلاده على استخلاص العبر من هذه الأزمة والتأكّد من سلامة منتجاتها، خاصة بعد توالي حظر استيراد منتجات الحليب الصينية في كثير من دول العالم. هذه "الفضيحة الغذائية" تفجّرت في منتصف الشهر الماضي، ودفعت العديد من دول العالم إلى فتح ملف المنتجات الغذائية الصينية المطروحة في أسواقها، حيث انتقلت الأزمة إلى دول أوروبية كبرى اكتشفت فيها أنواع من البسكويت والشيكولاته ملوّثة بهذه المادة، أما السلطات الصينية ذاتها فتجري الفحص على نحو 420 نوعاً من المواد الغذائية المعالجة، للتأكّد من عدم احتوائها على "ميلامين"، بعد أن انتهت من فحص نحو 228 صنفاً من الأغذية. الشواهد تؤكّد أن الأزمة بتداعياتها وتطوّراتها ليست غائبة عن عيون الأجهزة الصحية المعنيّة في دولة الإمارات، حيث أكّد "جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية" في بيان له عدم وجود أي عبوات صينية لحليب الأطفال المجفّف في أبوظبي، فيما أصدرت الأمانة العامة لبلديات الدولة بياناً بشأن الإجراءات الاحترازية المقرّر اتخاذها في هذا الشأن، ولكن تبقى ضرورة الحذر من وجود أنواع من الأغذية الأخرى المنتجة في الصين أو منتجة في دول أخرى وربما استخدمت فيها ألبان صينية ملوّثة، خصوصاً أن التقارير الإعلامية المتداولة أشارت إلى مئات من الأغذية الصينية خضعت للرقابة في الصين ذاتها، فيما اكتشف "الميلامين" في أنواع من الأغذية منتجة في شركات عالمية واستخدم فيها حليب ملوّث، ولاسيما بعد أن اكتشفت بعض الدول في جنوب شرق آسيا وجود الحليب الملوّث في نحو 12 منتجاً غذائياً في أسواقها. هذه الأزمة الصحيّة التي امتدّت آثارها إلى العديد من دول العالم تلفت الانتباه إلى تسارع ممارسات الغشّ الذي يمارس في صناعة الأغذية في بعض دول العالم، في ظلّ ضعف أنظمة الرقابة أو معاناتها الفساد والفوضى بدرجة تجعلها تقف عاجزة في كثير من الأحيان أمام منع الغشّ الغذائي أو حتى الكشف عنه في أوقات مبكرة للحيلولة دون تفاقم أخطاره الصحيّة على المستهلكين. وهذه الممارسات لا تقتصر على دولة بعينها، ما يستوجب المزيد من الحذر والدقّة وتوسيع نطاق المراقبة والتنسيق والاتفاق على معايير رقابة غذائية قياسية موحّدة على المستوى الاتحادي في الدولة من أجل التصدّي لهذه الممارسات، خاصة أن الإمارات تستورد كميات كبيرة من المنتجات الغذائية من الخارج. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية