نحفر المزيد من آبار النفط أو لا نحفر؟ ليس هو السؤال الصحيح الذي تجب إثارته. ذلك أن الحلول الحقيقية لأزمة الطاقة وخطر التغير المناخي، متوفرة لدينا بكثرة اليوم، إذا ما سلطنا جهودنا عليها بدلاً من المحاججة والعراك الذي لا معنى له حول موارد الطاقة الأحفورية، التي نعلم جميعاً محدوديتها وعدم استدامتها، خاصة موارد النفط. ولنا في قطاع الإنشاءات والمباني أسوة حسنة لما يمكن تحقيقه، فيما لو تركزت جهودنا على موارد الطاقة البديلة، وتحسين مستوى كفاءة استهلاكنا للطاقة. ويشير ما تحقق في القطاع المذكور إلى إمكانات التغيير الهائلة في مجال ابتكار تكنولوجيا الطاقة البديلة واستهلاك منتجاتها، عن طريق إحداث تغيير جذري في الطريقة التي نفكر بها في هذه المجالات. وهناك الكثير من الفرص المواتية لتلبية متطلباتنا وحاجتنا للطاقة، التي تتيحها لنا جهود رفع كفاءتنا في استهلاك الطاقة. وإذا ما تحدثنا عن هذه القضايا انطلاقاً من قطاع المباني والمنشآت، فالملاحظ أن المباني وحدها تمثل نسبة 40 في المائة من استهلاك الطاقة في أميركا، إلى جانب نسبة مماثلة من انبعاثات أميركا من غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات السامة الأخرى الملوثة للغلاف الجوي، وهي نسبة تفوق ما تفرزه السيارات والمصانع من هذه الغازات. غير أنه في وسع القطاع نفسه توفير نسبة 85 في المائة من احتياجات أميركا المتنامية للطاقة بحلول عام 2030 وذلك من خلال الأخذ بمعايير تشييد المباني وتشغيل الأجهزة والمعدات الكهربائية المنزلية والمكتبية، القادرة على توفير المزيد من الأموال والطاقة عند الاستخدام، على حد ما ورد في تقرير شركة Mackinsey & CO المعنون" بـ"خفض انبعاثات غازات بيت الزجاج الأميركية: مدى الانخفاض والتكلفة". يجدر القول إن هذه الحلول السهلة البسيطة من شاكلة إعادة تصميم المباني التجارية وتكييفها على معايير رفع استهلاك الطاقة، وكذلك تهيئة المنازل بحيث تستجيب لتغيرات الطقس والفصول، إلى جانب استخدام المعدات والأجهزة ذات الكفاءة العالية في استهلاك الطاقة، من شأنها استقطاب كافة الاستثمارات والشركات الأميركية العاملة في قطاعي الطاقة والمباني للعمل فيها. وبالفعل فقد زاد عدد المدارس والمنازل والمكاتب المسجلة حالياًً في نظام LEED لمعايرة مجلس Green Building الأميركي على 24 ألف منشأة. وتشير الدراسات التي أجريت إلى أن متوسط تكلفة إصدار شهادات LEED للمباني الخضراء، تقل عن نسبة 2 في المائة من إجمالي تكلفة المشروع، علماً بإمكانية استعادة التكلفة المذكورة نفسها خلال الاثني عشر شهراً الأولى التالية لشغل المبنى، من خلال المدخرات التشغيلية للمبنى. وعلى سبيل المثال، فقد أنفقت شركة نظم Adobe نحو 1.4 مليون دولار على إصدار شهادات LEED البلاتينية على ثلاثة من أبراجها بمقر الشركة في "سان خوسيه" بولاية كاليفورنيا. إلا أن الشركة تمكنت من استرداد تلك التكلفة الاستثمارية خلال 10 أشهر فحسب، عبر برنامج الكفاءة الاستهلاكية التشغيلية في الطاقة والماء وغيرها من الموارد التشغيلية. ونحن ندرك لا محدودية موارد الطاقة البديلة المتجددة. إلا أن هذا لا يمنعنا من التعبير بشكل أكثر وضوحاً عن هذه الوفرة والتدليل عليها بنماذج وأمثلة عملية. فالأرض وحدها تستقبل من الطاقة الشمسية كل 40 دقيقة، ما يكفي حاجة العالم كله من الطاقة لمدة عام كامل، كما تستطيع طاقة الرياح وكذلك الطاقة الجيولوجية الحرارية توفير حاجة العالم من الطاقة بالقدر نفسه. وفوق ذلك، بقدر ما يرتفع الطلب على موارد الطاقة البديلة المتجددة، بقدر ما تنخفض تكلفة إنتاجها، خلافاً لطاقة النفط تماماً: فكلما ارتفع الطلب عليها، كلما ارتفعت تكلفتها. وبالمقارنة نفسها فقد ارتفعت تكلفة استخراج النفط لدى وصول سعر برميل الخام الواحد إلى 100دولار خلال العام الحالي، بينما انخفضت تكلفة إنتاج السيليكون المستخدم في الحصول على خلايا الطاقة الشمسية بنسبة تزيد على 80 في المائة. وعند اتخاذ الخطوة الثورية الحاسمة، المفضية إلى تحول المنازل والمدارس والمكاتب والمصانع، إلى محطات منتجة للطاقة بدلاً من المؤسسات "الشافطة" لها، يستطيع الأميركيون أن يبرهنوا عملياً على قدرتهم على وضع هذه الأفكار الخلاقة المبتكرة موضع التنفيذ والممارسة. وفيما لو جعلنا من كفاءة استهلاك الطاقة والاعتماد على موارد الطاقة البديلة ـ وليست الأحفورية ـ منهاجاً لنا، فسوف يكون في وسعنا تخيل مستقبل جد باهر ومختلف عما نحن فيه الآن، من اعتماد عاطل وكسول على موارد الطاقة النفطية والأحفورية. وفي مقدور المباني أن تصبح جزءاً من بنية تحتية للطاقة المتجددة القابلة للتوزيع، ولا تتسم بنظافتها وخضرتها فحسب، إنما هي أكثر استدامة وقدرة على تلبية الطلب المتنامي على الطاقة الكهربائية، بالمقارنة إلى محطات الطاقة المحدودة التي نعتمد عليها الآن في تشغيل وإنارة منازلنا ومصانعنا ومكاتبنا. وعلى رغم أن الخطوات العملية باتجاه هذا التحول الثوري لا تزال ضئيلة ومحدودة، إلا أنها بدأت بالانتشار من سياتل إلى ميريلاند. وكان القادة الأوائل لهذا الاتجاه، في كل من أوستن وولايتي تكساس وكاليفورنيا قد صبوا جهودهم على رفع كفاءة استهلاك الطاقة أولاً. وبذلك فقد دللوا عملياً على التعاون الممكن بين المباني والمنشآت الحكومية، وحفز منشآت القطاع الخاص وتشجيعها على السير في ذات الاتجاه. والأهم من ذلك تمكن هذا التحالف بين القطاعين العام والخاص في مجال المباني والمنشآت، من وضع اللبنة القاعدية التحتية للانتقال الأوسع نحو المباني الخضراء العالية الكفاءة في استهلاك الطاقة. بل نجح التحالف نفسه في الدفع الآن في اتجاه استهلاك الطاقة بمعدل الصفر. وهذا ما يفتح الباب واسعاً أمام تحول المباني عملياً إلى محطات لإنتاج الطاقة بدلاً من استهلاكها. مايكل مور نائب رئيس أول لمجلس Green Building بواشنطن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"