لا عليك.. يا سارة بالين! فـ"جون ماكين" أصبح لديه رفيق آخر على تذكرته الانتخابية هو الجنرال "ديفيد بيترايوس". ولذلك يذكركِ ماكين ولو مرة واحدة بالاسم، خلال مناظرته الأولى مع باراك أوباما في حين ذكر اسم بيترايوس سبع مرات على الأقل. وقبل تلك المناظرة، دأب ماكين على استدعاء اسم قائد القوات الأميركية في العراق في الخطب، التي كان يلقيها في رحلاته التي شملت مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ذلك أن ماكين يعتبر بيترايوس هو رمز التحول الكبير الذي حدث في العراق، بفضل استراتيجية ضخ أعداد إضافية من القوات التي كان ماكين يدعو إليها بقوة أصلاً. وبيترايوس أيضا هو الرجل الذي يوظفه "ماكين" كرأس حربة في هجومه على أوباما. ويمكن تبين ذلك بوضوح من خلال خطابه الذي قال فيه: "لمدة 900 يوم كاملة لم يذهب أوباما مرة واحدة إلى العراق، وليس هذا فحسب بل إنه لم يطلب عقد اجتماع واحد مع الجنرال بيترايوس". ومما قاله أيضاً: "إن بيترايوس يعتقد أن ما يخطط له الديمقراطيون من إجراء انسحابات للقوات الأميركية من العراق يعد أمراً (غاية في الخطورة) لأن التقدم الذي حدث في العراق هش، ولأن العراق هو الجبهة المركزية في الحرب على الإرهاب وليس أفغانستان ـ كما يرى أوباما". وهنا قد يخطر على الذهن سؤال: متى كانت المرة الأخيرة التي تم فيها توظيف قائد عسكري أميركي كبير للعب دور شبيه بالدور الذي يراد من بيترايوس لعبه في الانتخابات الرئاسية الحالية، حتى لو كان ذلك التوظيف رغماً عنه؟ قد لا تكون هناك سابقة حديثه لذلك: فـ"كولن باول" على سبيل المثال كان قد استقال من الجيش بالفعل قبل أن يبدأ المرشحون الرئاسيون في خطب وده.. و"روبرت تافت" لم يحاول أن يستخدم "دوجلاس ماك آرثر" في حملة 1952 إلا بعد أن كان "هاري ترومان" قد أقاله من منصبه. لم يتول بيترايوس بعد الاضطلاع بمسؤولية أكبر تكليف في حياته العسكرية، وهو منصب رئيس القيادة المركزية الأميركية، وهو المنصب الذي يجعله مسؤولًا عن الشرق الأوسط برمته، بما في ذلك العراق، وأفغانستان، وباكستان، وإيران، وسوريا، ولبنان.. وهو المنصب الذي سيجعله في قلب سياسة الإدارة القادمة المتعلقة بالكيفية التي تتم بها إدارة حربين، ناهيك عن أنه سيكون أيضاً في قلب سياسات تلك الإدارة المتعلقة بمواجهة أخطر تهديدين للولايات المتحدة وهما: الإرهاب العالمي، والانتشار النووي. وعلى رغم ذلك، يتم توظيف بيترايوس بواسطة أحد المرشحَين لإثبات جدارته، وللانتقاص من المرشح الآخر في منافسة ستقرر أياً منهما سيصبح القائد العام القادم للقوات المسلحة الأميركية. لا يمكن لأحد أن يقول إن كل ذلك ليس سوى مجرد سعي ساذج لتحقيق منفعة سياسية. صحيح أن ماكين يشعر بأن ثمة رابطة تجمعه مع بيترايوس، وتتمثل في أن كلا الرجلين كانا قد ضغطا باتجاه اعتماد استراتيجية تقوم على إرسال خمسة ألوية إضافية للعراق في وقت، كانت واشنطن كلها ـ ومعظم البنتاجون ـ يعارضونها، وأنه "ماكين" كان قد قام بزيارة شهيرة إلى بغداد في بداية تطبيق استراتيجية ضخ أعداد كافية من القوات لتعزيز ما بدا في ذلك الوقت أنه نتائج غير مؤكدة. وصحيح أيضاً أن علاقة أوباما ببيترايوس واهية وهو ما يتبين من خلال بعض الدلائل: ففي المناظرة الأخيرة لم يذكر أوباما الجنرال كثيراً كما فعل ماكين واكتفى بالقول إنه: "قد قام بعمل رائع في العراق". وخلال الزيارة التي قام بها للعراق في يوليو الماضي، كان أوباما صريحاً بدرجة دفعته للإقرار بأنه وبيترايوس لا يتفقان في الرأي بشأن انسحاب للقوات الأميركية من العراق. وقد حاول أوباما أن يقلل من أثر ذلك الخلاف في الرؤى من خلال محاولته رسم خط فاصل بين ما يمكن لقائد في مسرح عمليات معين أن يوصي به، وبين مسؤولية الرئيس عن عمل تقديرات وإصدار أحكام أوسع نطاقاً حيث قال مشيراً إلى العسكريين: "إنني آخذ نصيحتهم في الحسبان بالطبع، ولكنني اقوم بوضعها في إطار استراتيجي أوسع". لو تم انتخاب أوباما، فإن أحد الاختبارات التي سيتعرض لها هو الطريقة التي سيتعامل بها مع بيترايوس، فعلى رغم أن التقدم الذي حدث في العراق قد ضيَّق الفارق بين آرائهما، إلا أن الأمر المؤكد هو أن بيترايوس والرجل الذي حل محله في قيادة القوات الأميركية في العراق وهو الجنرال "راي أوديرنو" سيقولان للرئيس الجديد إن سحب القوات المقاتلة الأميركية من العراق بمعدل لواء مقاتل في الشهر الواحد على امتداد العام القادم ـ كما اقترح أوباما ـ سيكون أمراً "فائق الخطورة". ولكنْ في تلك الحالة، هل سيستمع أوباما إلى الجنرال الذي نال أكبر قدر من الثناء منذ الجنرال "ماك آرثر" وهو يلغي بشكل واضح رأياً كان قد استقر هو عليه؟ لاشك أن بيترايوس، وهو رجل كيِّس يعرف كيف يسُوس أموره جيداً، سيسعى إلى تلافي أي مواجهة مع الرئيس، ولكن إذا لم يحدث اتفاق في الرأي على ذلك فإن المؤكد هو أن أوباما سيتراجع عما كان يدعو إليه في هذا الشأن خلال حملته الانتخابية. لقد قال لي مستشارو أوباما إن رأي المرشح "الديمقراطي" في بيترايوس لم يتأثر بالتكتيكات الانتخابية التي اتبعها ماكين.. ولكن الحقيقة هي أن ماكين بتوظيفه للجنرال بصورة مكثفة في خطابه الانتخابي، يضر كثيراً بصورة قائد سيكون الرئيس الأميركي القادم، بحاجة ماسة إلى مهاراته خصوصاً لو كان هذا الرئيس هو "باراك أوباما" بالذات. جاكسون ديل كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست"