في العرف السياسي الأميركي تصبح السنة الأخيرة لأية إدارة أميركية في فترة ولاية الرئيس الثانية والأخيرة، بحكم السنة الميتة. ولذلك ابتدع الأميركيون تعبيراً لائقاً ومناسباً يصف حالة الرئيس وإدارته، إذ يُسمُّونه "البطة العرجاء". حيث ينهمك الرئيس في التفكير بإرثه ومكانه في التاريخ، وماذا سيقول عنه الشعب والمؤرخون، وأين سيكون سجله في قائمة الرؤساء السابقين؟ إنه البحث عن الإرث والمجد، وحكم التاريخ، حيث لا يسمح الدستور الأميركي للرئيس بالترشح لفترة رئاسة ثالثة. وفي حالة إدارة الرئيس بوش، قرر أيضاً نائبه ريتشارد تشيني عدم الترشح بسبب تدني شعبيته وشعبية رئيسه ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة. ومع أن منصب نائب الرئيس في النظام الرئاسي الأميركي، على رغم افتقاره لمسؤوليات دستورية، وكان أول رئيس نائب رئيس في تاريخ أميركا "جون أدامس" قد وصفه بأنه أكثر المناصب غير المهمة مما فكر فيه الإنسان، إلا أنه يعد أحد المناصب البارزة والمؤهلة لمنصب الرئيس نفسه (14 نائب رئيس أصبحوا رؤساء فعليين). وعادة ما يمضي الرئيس في هذه الفترة وقتاً في دعم نائبه الذي عادة ما يقرر الترشح ليحمل راية الحزب وليستمر حزب الرئيس في السلطة التنفيذية. ولكن في حالة الرئيس بوش وبسبب قرار تشيني عدم الترشح بات لديه المزيد من الوقت للقيام بأمور أخرى تصب في التحضير لمستقبله لمرحلة ما بعد البيت الأبيض ومصالحه الخاصة ومكان سكنه والتعاقد مع دار نشر لكتابة مذكراته، واختيار المكتبه الجامعية في ولايته لتضم جميع المذكرات والوثائق والدراسات كما فعل الرؤساء السابقون. وطبيعي أن يسعى الآن لـ"حل مشاكل العالم" على أمل الخلود ونيل جائزة نوبل للسلام. ولمَ لا، وكارتر سعى ونجح في كامب ديفيد. وجونسون سعى وابتلعته فيتنام. ونيكسون قضى عليه طموحه الذي هوى به. وكلينتون فشل في كامب ديفيد الثانية. وكثيراً ما يتحول الرئيس في مثل هذه الفترة إلى رجل أعمال يخطط لما بعد الرئاسة و"سائح" يزور دولًا وأقطاراً لم يزرها من قبل، وربما لن يزورها في المستقبل. ويحضر كما فعل الرئيس بوش هذا العام الألعاب الأولمبية. ولكن هناك فضائح ونكسات رافقت الرؤساء الأميركيين في فترة ولايتهم الثانية، مثل الرئيس جونسون الذي أكمل فترة الرئيس كينيدي عقب اغتياله، ثم فاز بالرئاسة، فقرر ألا يترشح لفترة رئاسة ثانية بسبب فداحة الخسائر في حرب فيتنام. والرئيس نيكسون اضطر للاستقالة بسبب فضيحة "ووترغيت"، والرئيس كلينتون وهو "الديمقراطي" الوحيد الذي نجح وحكم لفترتين منذ أكثر من خمسين عاماً كاد يُقال ويحاكم بسبب فضيحة مونيكا لوينسكي الأخلاقية. أما الرئيس بوش فقد وصلت شعبيته الآن إلى أدنى مستويات شعبية رئيس في فترة ولايته الثانية، وكان ذلك قبل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تعصف بأميركا الآن. ولاشك أنه محظوظ لأن الدستور لا يسمح له بالترشح لفترة ولاية ثالثة، وإلا لكان علم بفداحة خسارته لو غامر وترشح. وربما هذا كان هو السبب الحقيقي الذي دفع تشيني إلى عدم الترشح. وكانت مطالبات في الكونجرس برزت بشكل خافت وعلى استحياء تطالب بمحاكمته بسبب تضليله للرأي العام في حرب العراق. ونأتي إلى "الإرث السراب" الذي يبحث عنه الرئيس بوش في صفحات التاريخ. من أين سيأتي بذلك الإرث الضائع، الذي بات كسراب الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية؟ وخاصة أن سيد البيت الأبيض لطالما تغنى بإمكانية إيجاد حل لهذه المشكلة التي هي عملياً أطول وأعقد مشكلة في العالم المعاصر. وماذا أيضاً؟... هناك إرث الحروب والمغامرات في العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطيات، ولا ننسى إرث ممارسات جوانتانامو وأبوغريب والسجون السرية. ولئن كان بوش يفاخر بأنه "رئيس الحرب"، فها هو يترنح بسبب الحروب الخارجية والأزمة الاقتصادية، ويعاني من سقوط في شعبيته إلى حد انصراف حتى مرشح الرئاسة من حزبه "الجمهوري" جون ماكين عن الظهور معه في الحملة الانتخابية، ولا كان موضع ترحيب في مؤتمر الحزب. وليس مستغرباً أبداً أن 80 في المئة من الأميركيين يرون الآن أن بلادهم تسير في الطريق الخاطئ! أما قمة الانتكاسة لبوش فهي فشله حتى في التأثير على أعضاء حزبه في الكونجرس للتصويت معه على مشروع قانون بهدف تعزيز استقرار الوضع الاقتصادي، ولولا أصوات خصومه "الديمقراطيين" لم يكن القانون ليمر، ولما كان ممكناً إنقاذ أميركا ووقف نزيفها، وهي التي فقدت الكثير من هيبتها واحترامها وشعبيتها في عهده في الداخل والخارج، إلى حد بات معه البعض يشكك حتى في جدوى رأسماليتها. حقاً يا له من إرث!