انتهى شهر رمضان الكريم، وتبعه عيد الفطر المبارك، وتمر خلال هذه الأيام فترة صيام ستة أيام من شوال، لكن السؤال المهم الواجب طرحه: هل خرج جميع المسلمين من رمضان وفق ما تمنوه أو أرادوه أو عملوا من أجله؟ أعتقد أن الإجابة الواضحة والشافية هي "نعم" كاملة غير منقوصة، لأن هذا الأمر قد اعتمد على النية والهدف والعمل الذي قام به كل مسلم خلال هذا الشهر، لذلك فإنه يجني ما صنعه بيده. لقد خرج المسلمون من رمضان على أنواع ستة، لكل منها سماته من ناحية الشكل وخصائصه من ناحية المضمون، وهو أمر يستمر لفترة من الزمن غير قصيرة ثم يعود كل شخص لحالته قبل رمضان، لكن ربما يحافظ البعض الآخر على سماته وخصائصه حتى يأتي رمضان جديد. * "المتسلسل": وهو الشخص الذي ركز جل همه على متابعة مسلسلات رمضان، وكان يتنقل بين الفضائيات بسرعة الصاروخ خشية أن تسقط منه لقطة أو يضيع عليه حوار، لذلك فإنك تراه بعد رمضان وهو يجترُّ قصص المسلسلات ويظل يقارن بينها من جميع نواحي العمل الفني وكأنه خبير وناقد لا مثيل له، والأنكى من ذلك تجده حافظاً لمجموعة من "الإفيهات" والعبارات السوقية والبذيئة والغريبة عن المجتمعات العربية التي وردت على لسان أشباه الممثلين والكومبارس خلال عرض المسلسلات، كشيء من الاستظراف والتأثير في وجدان المشاهدين من أصحاب العقول الفارغة، فيحاول الأخ "المتسلسل" إثبات أنه يملك ذاكرة موسوعية، وإن كانت في الاتجاه الخطأ، وبدلاً من أن يعود لحالته الطبيعية قد يستغرقه الأمر بلا نهاية حتى يصطدم بمن هو "متسلسلاتي" أكثر منه. * "المتشيش": وهو الذي أضاع معظم وقته وصحته في تدخين الشيشة بتركيز شديد تعويضاً عن فترة الصيام، وهذا النوع من الشخصيات تجده غير مبال بما يجري من حوله ولا يلتفت إلى أنه يدمر البيئة ويلوث الهواء ويضر بالآخرين، ناهيك عن تدمير صحته. ومن العجب أن "المتشيش" يشعر في داخله أنه فيلسوف عصره، فهو له رأي في كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ، ومن العصر الحجري إلى عصر الفضاء والذرة، وعلى دراية تامة بكل الموضوعات والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية والشخصية، وله رؤية وموقف في كل منها لا يدانيه حديثٌ للخبراء الاستراتيجيين أو مشاهير الفضائيات، لذلك تأتي تعليقاته وأحاديثه مثل الدخان المتصاعد من فحم شيشته، تضيع في الهواء ولا تجد أي صدى، لذلك فإن الموضوع لا يخرج عن كونه "طق حنك" في الوقت الضائع. * "المتكرش": وهو الشخص الذي زاد وزنه في شهر الصيام من كثرة الأكل خشية حدوث مجاعة، لذلك تركز همه في التنويع والنهم في ملء البطون، وإذا امتلأت البطون تاهت العقول وتكاسلت الأبدان وتعثرت الذاكرة، فكأن رمضان هو شهر الأكل فقط، فخرج منه وكرشه أمامه يدل على فعلته، ولم يدر عن دينه أو دنياه شيئاً، ضاع شهر من العمر وتراجعت الصحة نتيجة للحمل الكبير في استهلاك أجهزة الجسم التي باتت تشكو إجهاد الطعام من جانب، والوزن الزائد من جانب آخر، فهنيئاً لأصحاب الكروش. * "المستشيخ": وهو الذي تتبع عن كثب البرامج الدينية، ومن كثرة تعايشه مع ما يقوله الشيوخ وعلماء الدين، شعر بأن العمر لحظة وعليه أن "يستشيخ"، فتركز عمله في الشهر الكريم على المواظبة على الصلاة، وهو الذي لم يقربها قبله، لذلك فإنه يستمر على حاله لفترة بفعل اندفاعة رمضان ثم يعود إلى ترك الصلاة، وتكمن خطورة المستشيخ في أنه في "انتفاضته الدينية" الوقتية يصبح متطرفاً، فهو يريد من الجميع الشهادة على تديُّنه وكذلك الاعتراف به ومن ثم اتِّباعه وتنفيذ أوامره والاستماع إلى نصائحه، فهو الشيخ والعالم الأوحد. ونتيجة لضعف ثقافته الدينية فإنه يتأثر بكل شيء يصرِّح به شيوخ الفضائيات، فإذا كان الحديث حول صلاة قيام الليل فهو يدعو الجميع من صغير وكبير للسهر للصلاة في ظل إمامته دون السماح بنوم أو راحة، وإذا تحدث العلماء عن فضل الدعاء فإن صوته يصل إلى عنان السماء وهو يدعو وعلى الجميع أن يؤمِّنوا. إنه حالة خاصة تحتاج إلى رقابة ومتابعة، فأحياناً يدفعه الأمر إلى تبني أفكار "القاعدة" أو "طالبان" ويعلن "الجهاد" ضد كل أفراد الأسرة ويستخدم الدين مطية لتحقيق أغراضه من الزواج بأخرى أو التهرب من مسؤوليته تجاه زوجته وأولاده أو الخروج على ناموس الأسرة ليستولي على ثروتها ويفرض سطوته باسم الدين. * "الفتوجي": حيث يتأثر عدد لا بأس به من الصائمين ببرامج الفتوى التي تنتشر بشراهة في شهر رمضان، خاصة فتاوى القتل، وكأن الإسلام جاء لإباحة القتل فقط، سواء قتل "ميكي ماوس" لأنه من فئة الفئران، أو "سلاحف النينجا" فهي لا تدفع الجزية وليس لديها النية في أن تدفعها، أو قتل أصحاب الفضائيات لأنهم من فئة الإفساد في الأرض، أو الصحفيين والكتاب فهم علمانيون والعلمانية من الكفر، أو استباحة دم كل من يجرؤ على التطاول على علماء وشيوخ الدين وكل من يخالفهم الرأي، لذلك تجد "الفتوجي" يتبنى مثل هذه الفتاوى ويسعى إلى تبريرها دون تفكير أو مراجعة لمضمونها أو صحتها، وما إذا كانت صحيحة ولا يبحث عن زمانها ومناسبتها والأسباب التي دعت إلى صدورها، وهل هي لأمر وقتي في حينها أم للتعميم؟ وكيف يتم تطبيقها في زماننا هذا؟ وهنا يجب أن يقع اللوم مزدوجاً، فهو لوم لمن أصدر هذه الفتوى خاصة أنه لم يقصد منها سوى الفتنة والتشكيك، مع عدم إدراكه لتأثيرها وعواقبها وتداعياتها على شباب المسلمين قبل غيرهم، كما يظل اللوم موصولاً لمن يستمع لهذه الفتوى ولا يُعمل عقله في محاولة فهم فحواها والهدف منها وتوقيت صدورها، ويقوم بترديدها ونشرها أو تأييدها ومساندتها والتسليم بصحتها ويصم أذنيه ويغمض عينيه عن أي محاولات لدحضها أو تفنيدها أو الرد عليها. * "المتمرضن": وهو الذي انتهز فرصة رمضان وراجع كشف حسابه ونجح في فهم حقيقة الشهر الكريم والهدف منه، واستطاع تسجيل عدد مناسب من الحسنات في سجل حياته من أجل يوم الحساب، لكنه لم ينس نصيبه من الدنيا، فقام بمهام عمله وأداء واجباته وتحمُّل مسؤوليته العملية دون كسل أو تخاذل، وأكد إخلاصه لوطنه ومجتمعه وبات مثالاً يحتذى به، لكن، وآه من لكن هذه، فور انتهاء الشهر وما يعقبه من صوم ستة أيام من شوال يبدأ التراجع وينخفض زخم الالتزام تدريجياً حتى يتناسى "المتمرضن" قيم وسلوك رمضان، ويختلف هذا الأمر من شخص لآخر وفق تركيبته النفسية والثقافية والدينية، إلا أنه في النهاية قد تعود ريما لعادتها القديمة، إلا من رحم ربي. كل ما سبق كان محاولة لتوصيف حالنا بعد رمضان، ولا ننسى أن هذا هو حالنا كل عام، لذا فإن الأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية مع الذات ولا يمر رمضان دون درس واحد على الأقل يستمر تأثيره إلى أن يأتي رمضان القادم بإذن الله، وربما يستطيع المسلمون أن يرفعوا عن كاهلهم تهمة التطرف والإرهاب التي أصابتهم، ويستعيدوا دورهم ومكانتهم فكرياً ومادياً، حتى تصبح أعيادنا القادمة أعياداً حقيقية، ونزيد من مساحة فرحتنا بقدومها كل عام، ونشعر بأننا نتغير لنواكب حركة الزمن، وعيدكم مبارك.