زادت الأزمة المالية الأميركية -التي صارت عالمية- من اقتناع أطرافٍ إقليميةٍ أنها انتصرت على الأميركيين، ومن ضمن أولئك الذين يتزايدُ إحساسُهم بالانتصار علناً على الأقلّ المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، كما بدا من خطبته في عيد الفطر. والطرفُ الآخَرُ الذي يُظهر انتصاراً وشماتةً هو الرئيس شافيز، رئيس فنزويلا، والذي دلَّل على انتصاره بدعوة الأُسطول الروسي لزيارة شواطئ بلده، وإجراء مناورات مع "الأُسطول" الفنزويلي! أمّا الأطرافُ العالميةُ الرئيسية فلا تُظهر انتصاراً بقدر ما تُظهر حيرةً وارتباكاً، وبين هؤلاء الروس والصينيون، وقبلهم بالطبع الأوروبيون واليابانيون! فالروس يستطيعون إزعاج الولايات المتحدة عن طريق إيران وسوريا وأوكرانيا وجورجيا، لكنّ شركاءَهم الماليين والتجاريين والاستراتيجيين هم الأميركيون والأوروبيون. ويقال إنّ الروس "يحملون"حوالي 400 مليار دولار، ويحمل الصينيون حوالي 3 تريليون دولار. ثم إن 60 في المئة من صادرات الصين تذهب إلى الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً. بيد أنّ الأبلَغَ والأفصَحَ من ذلك، وهذا موَجَّهٌ للصينيين ثم للروس، أنّ الماركسية -اللينينية انكسرت إلى الحدّ الذي لم تَعُدْ فيه تُمثّلُ خياراً بديلاً للنظام الرأسمالي العولمي. فالصين تحولت إلى رأسمالية أو اشتراكية الدولة، وهي دولةٌ قوميةٌ كبرى لها مصالح وتتطلع إلى مدىً حيوي، لا أكثر من ذلك. وقد رأينا في العقدين الماضيَين أنه حتى المدى الحيوي بالنسبة لها (في شرق آسيا) لا تستطيع أن تمنع الولايات المتحدة وروسيا من البقاء فيه، والاستئثار بالنصيب الأَوفر من خيرات نهوضه. ثم إنها عندما تُنافسُ الولايات المتحدة وتتحدى واشنطن، تؤْثِرُ التراجُع السياسي حتى لا تتضرر مصالحُها الاقتصادية. وقد رأينا في السودان كيف هجمت الصين قبل عشر سنواتٍ لأخذ امتيازات بترولية من هناك؛ لكنْ عندما هجم الأميركيون والأوروبيون على السودان مؤخَّراً، وجدت الصين نفسَها مضطرةً لـ"التعاوُن مع المجتمع الدولي". والأَمْرُ لدى الروس أوضح منه لدى الصينيين الذين ما يزالون يصروُّن عَلَناً على ماركسيتهم. الروس قالوا قبل خمسة عشر عاماً إنهم دولةٌ قوميةٌ ذات نظامٍ رأسمالي. ولشدة حماسهم لرأسمالية السوق وحرياتها(!) تنطحوا فوراً للشراكة مع "الدول الثماني". وإبّان اشتداد الأزمة بين الطرفين بسبب جورجيا، تبادلا التهديد بشأن الانتماء إلى "الدول الثماني" ومنظمة التجارة العالمية، ثم أدركتْ روسيا أنها لا تستطيعُ الابتزاز لهذه الناحية ما دامت لا تستطيع العودة لتزعُّم منظومةٍ للدول الاشتراكية؛ فسكتت عن الأمرين، وعادت لتقديم مشروع جديد لآليات الأمن الأوروبي. وهكذا فإنّ لمناورة روسيا قبل الأزمة الجورجية وبعدها، وقبل الأزمة المالية العالمية وبعدها حدَّين: الحدّ الأوروبي، أي العمل مع الأوروبيين الغربيين (فرنسا وألمانيا وإيطاليا... وبريطانيا) لإرغام الولايات المتحدة على القبول بتوازُنٍ أكبر ضمن النظام المالي العالمي، وضمن النظام الاستراتيجي العالمي -والحدّ الآخر الضغط على الأميركيين والأوروبيين من أجل شراكةٍ أقوى، من خلال التحالُف أو إظهار التآلُف ومع الصين وإيران! وهكذا ليست هناك مبادرة في المجالين الصيني والروسي، لا في مواجهة الأزمة المالية، ولا في مواجهة الاحتقان الاستراتيجي. لكنّ المراقبين يفكّرون ببدائل إصلاحيةٍ للنظام المالي العالمي تأتي من جانب أوروبا واليابان. وقد اقتصرت الجهود حتى الآن على ضخّ أموال في السوق المالية لمنع انهيار البورصات. وتذمَّر الأوروبيون بهذا الشكل أو ذاك من الصلبطة الأميركية وبخاصةٍ الألمان. لكنْ يبدو أنّ للمصرف المركزي الأوروبي (وبريطانيا ليست جزءًا منه) مشروعاً سوف يعرضُهُ على الأوروبيين عندما يجتمعون خلال الأيام القليلة القادمة. فهناك أربعة اقتصادات أوروبية كبرى هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وصحيحٌ أن بريطانيا ستجتمع مع الأوروبيين الكبار؛ لكنها حسمتْ أَمْرَها (وكذلك اليابان!) لصالح الحلّ الأميركي بالإقبال على ضخّ مئات المليارات في السوق، والحرص بالرقابة الدقيقة على حُسْن تصريفها. أما الأوروبيون الآخرون الداخلون في نظامٍ نقديٍ واحد فهم يستطيعون التأثير باتجاه ضبط الولايات المتحدة، وتحديد سيطرتها على النظام المالي (بمساعدة روسيا). بيد أنّ عنصر الضعف في هذا المحور عدم وجود قيادة بعد ذَهاب شيراك، وتلاعُب ساركوزي بين الولايات المتحدة وبريطانيا. ألمانيا إذن هي الأكثر تذمُّراً، وتستطيع اجتذاب إيطاليا وإسبانيا إلى جانبها، وروسيا ليست بعيدةً عنها. بينما لا تريد اليابان الابتعاد عن الولايات المتحدة في هذه الظروف، وإن يكن رئيس وزرائها جديداً، وليس من السهل عليه بناء سياسةٍ جديدةٍ بسُرعة. لكنْ حتى لو تجاوزْنا مسألة القيادة والتكتُّل؛ ما هي الأفكارُ الجديدةُ التي تستطيع أوروبا تقديمها؟ ليست هناك جدائد يمكن التفكيرُ فيها باستثناء زيادة التدخُّل من جانب المصارف المركزية لضبط السوق والمضاربات. وهناك مَنْ يريد السير قُدُماً في هذه السياسة إلى حدود تجفيف نشاطات المضاربات البحتة، التي تفوّقت في الأسواق المالية العالمية على حِصص أَسْهُم الشركات الصناعية والتكنولوجية ووسائل الاتّصال. وهذا الأمر رغم تفصيليته مُهمٌّ إلى الحدّ الذي دفع اليمين الأميركي والأوروبي (والروسي) إلى رفض رأسمالية الدولة، والمطالبة بأن تكونَ هذه الإجراءاتُ مؤقّتةً، حتّى لا ينقصمَ ظهرُ السوق وتنتهي حرياتُها! ما هي الآثارُ الفعليةُ للأزمة المالية العالمية على هيمنة الولايات المتحدة، وما هي الآثارُ الفعليةُ للأزمة الاستراتيجية الأميركية على هيمنة الولايات المتحدة في المجال العالمي أيضاً؟ بالنسبة للأزمة المالية كان الروس والألمان هم الوحيدون الذين صرَّحوا بأنه لا يمكنُ العودةُ إلى النظام المالي السابق. فالآن فقط زالت آخر آثار اتفاقية "بريتون وودْز"، وينبغي التفكير في نظامٍ آخر أكثر توازُناً. فالهيمنةُ الأميركيةُ هي بمقدار 40 في المئة منها معتمدة على التكتلات الاقتصادية الإقليمية الأُخرى. وفي المشروع الجديد الذي يمكن التفكير فيه، ينبغي أن تُوجَدَ آليات تعكس القُدُرات الإنتاجية لكلّ طرف، لا أن تنصبّ كلّها لصالح دعم الدولار وتحمُّل أعبائه. وفي هذا الصدد يفكّر المراقبون بآليات الدول الثماني وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، وخَلْق آلية جديدة إضافية متفرعة عن المصارف المركزية. ولذا، وسواءٌ حصل ذلك الآن أو بالتدريج، ما عاد يمكن بالفعل تحمُّل أعباء النظام الحالي؛ وبخاصةٍ أنّ الولايات المتحدة نفسها ما عادت تتحمل ذلك! ويبدو الوضع الاستراتيجي العالمي أصعب، والأميركيون أقلُّ مرونةً تُجاه الإصلاح في هذا الجانب. كان المفكّر الأميركي بول كنيدي قد ذكر قبل عقدين في تتبُّعٍ للإمبراطوريات التاريخية أنها جميعاً هوتْ بسب العجز عن تحمُّل الأعباء. وقد قامت الولاياتُ المتحدة في العقدين الأخيرين بهجومٍ استراتيجي لسدّ الفراغات التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت آخِر موجات هذا الهجوم: الحرب على الإرهاب! لكنّ الهجمات جميعها فشلت أو تعرقلت، وأورثت فوضى عالمية كبرى. ولنتأمَّلْ نتائج الهجوم على العراق، فقد كلَّف أكثر من مليون قتيل، وإنفاق أكثر من تريليون دولار. إنما لا بديل عن "القوة الأعظم" إلاّ نظام أمن جَماعي، تشاركُ فيه بالتفكير والقرار سائر القوى الكبرى والوسطى، من خلال مجلس الأمن (25-30 عضو مَثَلاً)، ومن خلال التطبيق الدقيق لميثاق الأُمم المتحدة، والقرارات الدولية أيضاً. وقد رفضت الولايات المتحدة ذلك من قبل (1990-1993) رغم دعوة بوش الأب لـ"نظامٍ عالميٍ جديد". وكما كان من نتائج الأوحدية القطبية هجمات "القاعدة" على الولايات المتحدة والدول الأُخرى، كذلك كان من نتائجها حروب أفغانستان والعراق، والانتشار الأميركي المسلَّح في سائر أنحاء العالَم، وتمرد أميركا اللاتينية بالديمقراطية والديكتاتورية على الهيمنة الأميركية المتصاعدة، وأخيراً الهجوم الروسي المُضادّ لتصحيح الخلل الذي طرأ على الموقع الاستراتيجي لروسيا نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي. والآن، بل ومنذ سنوات، تحدّي إيران للمجتمع الدولي بشأن "النووي"، وبشأن التدخُّلات في عدة بلدان عربية وغير عربية، وتهديد أمن ممرات النفط. أمّا بوش الابن وماكين فيعرضان تعديلاتٍ لا تمسُّ جوهر الأُحادية. وكما أنه ما عاد ذلك مُلائماً؛ فما عادت مُلائمةً أيضاً تلك الانسحابيةُ التي يعرضُها أوباما، بداعي التخلّي عن الطموحات الأميركية، دونما اهتمامٍ بتصحيح ما أحدثته الغزوات الأميركية. هناك إذن الأزمةُ المالية العالمية، وهناك أيضاً الأزمة الاستراتيجية العالمية، وكلا الأمرين يُعيدان العالَم إلى وضعٍ يُشبه أواخر ثمانينيات القرن الماضي. والمطلوب التخلّي عن الهيمنة المالية والاستراتيجية الأميركية، واستحداث شراكة عالمية في الأمرين، فهل هناكُ قوىً تحمل المبادرات وتتحمل أعباء التحول؟