مشكلة أوروبا وأميركا ليست مع العرب ولا مع المسلمين. مشكلتها مع «الإسلاميين»، مع هذه الأحزاب والجماعات التي هيمنت على الحياة السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية، داخل البلدان العربية والإسلامية وخارجها، وبسطت نفوذها بخاصة على الأقليات الإسلامية في البلدان الغربية والمهاجر، وصارت تتفنن في محاصرة الجيل الأول، وغسل أدمغة الجيل الثاني، ومصادرة الجمعيات والهيئات والمساجد! رحبت بلدان الغرب على امتداد سنوات طويلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بالذات بالعرب والمسلمين، وفتحت لدعوتهم وتحركهم أوسع المجالات وتعاملت معهم بسذاجة تدهشنا اليوم، حيث تطورت الأمور، وقويت شوكة الإسلاميين، وبدأت مخالبهم تنشب في مكامن ومفاصل تلك المجتمعات. كان وجود "الإسلاميين" بأحزابهم وجماعاتهم ومختلف مذاهبهم هناك بمثابة مختبر لتفاعل الأقلية المسلمة المتأثرة بالأفكار التعبوية الحزبية وسط مجتمعات ديمقراطية. فقد كانت شكوى "الإسلاميين" على مدى سنوات طويلة، وبخاصة "الاخوان المسلمين"، قمع الأنظمة العربية ومصادرة الحريات والملاحقة وغير ذلك. وكان المودودي في مؤلفاته الهندية الباكستانية، والتي فاضت على العالم العربي فيما بعد، ودمرت من فكر الشباب ما دمرت، تحمل إلى العالم كله وبخاصة إلى المنافس الأوروبي الليبرالي قرب ميلاد تجربة جديدة تقودها شبيبة مسلمة غير متأثرة بأقذار الحضارة الغربية وماديتها، وبنظام إنساني يتفوق بما لديه على الديمقراطية الغربية وما فيها من حرية ومرونة وتسامح ديني وغير ذلك. وقد ضربت أفكار "الإخوان" وحزب "التحرير" والجماعات الإسلامية المصرية والباكستانية وغيرها أستاراً من التعتيم والغشاوة على عقول العرب والمسلمين في أوروبا، ومهدت الطريق بكتبها وأشرطتها وأفكارها الانعزالية المتعصبة لصعود كل لون من ألوان التشدد والتطرف وفيما بعد الإرهاب الخالص. فهذا الهجوم المتصل على "الحضارة الغربية" وعلى "القوانين الوضعية" وعلى "الاستشراق"، وعلى "الغزو الثقافي"، وعلى "مؤامرات الغرب"، وعلى كل شيء تقريباً مما كان المسلم والعربي يراه في مدن الغرب بأسرها، جعلته صعب الاندماج في البيئة الجديدة التي هاجر إليها شديد الكراهية لها، إلا في الحدود التي تحتمها مصالحه المادية أو الأهداف الحزبية للجماعات التي تقوده. لم تكن الحركة الحزبية الإسلامية فكراً نهضوياً تحديثياً، ولهذا لم تلتفت إلى أي جانب إيجابي في البيئة الغربية الجديدة. ولا انكبت على دراسة آداب وفنون وثقافة الغرب لتبدع مثلاً ثقافة وآداباً وفنوناً، أو منتوجاً عصرياً يمزج بين الثقافة الغربية والإسلامية، وحتى كبار" الإخوان وغير الإخوان ممن يكسبون جلود "الحضارة الإسلامية"، كلما ضاقت عليهم ثيابهم الحزبية، فيزعمون أنهم ورثة حضارة بغداد والأندلس، لم يقدموا على امتداد نصف قرن في باريس ولندن وألمانيا أي فكر أو فن أو ثقافة جديدة تستحق الاهتمام، وتعبر حقاً عن حضارة إسلامية جديدة! صحيح أنهم أنشأوا المطابع لنشر كتبهم ومنشوراتهم الحزبية، وأنهم حرصوا على شحذ أسلحتهم الإعلامية من صحافة وتلفاز وغيرهما، وأنهم طوروا مؤسساتهم المالية ومصارفهم "الإسلامية اللاربوية"، وأنهم أسسوا المدارس الخاصة التي تزيد من عزلة شباب وشابات الأقليات الإسلامية عن محيطها الأوروبي، وتزيد من هيمنة أحزاب الإسلاميين على مصيرها، وأنهم، وأنهم...! ولكنهم فشلوا في أن يكونوا جسراً كشعراء المهجر مثلاً، بين الشرق والغرب، وفي أن يساهموا في دعم تيار التحديث والديمقراطية والإبداع الثقافي والفني والأدبي في العالمين العربي والإسلامي. ولا تزال الكثير من الأخبار التي تحفل الصحافة بها عنهم تتعلق إما بخناقات المساجد أو جرائم الشرف أو الخطب الدينية المتطرفة. ولم نسمع حتى الآن أن إحدى جمعياتهم تبنت مشروعاً ثقافياً مفيداً، أو أن حزباً من أحزابهم قرر أن يترجم موسوعة، أو أن يشكل حزب آخر فريقاً لدراسة جانب من جوانب الثقافة أو المعرفة أو علاقات الشرق بالغرب. ولم نسمع بأي مجهود في هذه الأوساط حتى لإعادة النظر في مؤلفات الأحزاب الإسلامية وتحديثها وتخليصها من الأفكار المتشددة والتوجهات التكفيرية! تسامحَ الغرب الديني مع المسلمين في أوروبا وأميركا وحرية العقيدة الدينية، وبخاصة احترام ترك الكثيرين للمسيحية واليهودية إلى الإسلام، لم تعط أي حزب إسلامي درساً في التسامح الديني، وفي النظر إلى التدين كشأن شخصي من خصوصيات الفرد، ولا جعلتهم مدافعين عن غير المسلمين في العالم العربي والإسلامي. بل على العكس، إزدادت هذه الأحزاب شراسة كلما وجدت التساهل والتسامح وحققت المزيد من الانتصار والانتشار. فغرورهم بلا سواحل! لم يطور "الإسلاميون" كذلك نظرة مستقبلية نحو الحضارة العالمية التي بدأت شرقية ثم صارت غربية، ثم تتجه اليوم نحو آفاق إنسانية عامة وعالمية. ولا تزال أدبيات ومنشورات وخطب الإسلاميين في قلب أوروبا تعيش مع كتبها ومفاهيمها القديمة، ولا تزال تنظر لكل العطاء الحضاري الغربي بأنه مجرد ركام، وإلى كل الإنجازات التقنية الهائلة بأنها مجرد "تطور مادي"، وبأن كل حياة وقيم الغربيين انحطاط في انحطاط! يقال مراراً إن الجماعات الإسلامية المعتدلة لا شأن لها بالعنف والإرهاب. وهذا وهم كبير، لأن تسعة أعشار أفكار الجماعات الإرهابية متطابقة مع فكر "الإخوان" و"التحرير" والجماعة الإسلامية الباكستانية وغيرها. فمصطلحات مثل الجاهلية والحاكمية والتمكين وغيرها، بما اكتسبت من معان أصولية وحزبية تسلطية جديدة لم يبتدعها تنظيم "القاعدة" أو "فتح الإسلام" ومفاهيم العزلة الشعورية وبطلان شرعية "القوانين الوضعية" والعبودية ونسف مفاهيم الوطن والجنسية وكل ملامح الواقعية السياسية، والمناداة بأن "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" كما هو شعار الإخوان وغير ذلك كثير، ليس من مبتدعات الزرقاوي وبن لادن والمقدسي! بل حتى ثقافة التنظيم السري والبناء الهرمي للحزب والاعتماد على الجوالة والكشافة والمخيمات والمعسكرات وتجنيد الشباب وتدريبهم على السلاح والنوم في القبور والاجتماعات الخلوية، وغير ذلك مما عرفناه في كل دولة نشط فيها الإخوان وجماعات الاعتدال! ماذا نتوقع مثلاً من شاب يقرأ فقرة كهذه في كتاب واسع التداول في صفوف الإخوان:"نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية... تصورات الناس وعقائدهم، عادات الناس وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيراً إسلامياً... هو كذلك من صنع هذه الجاهلية”. هذه فقرة بسيطة من فقرات كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، المترجم إلى كل لغات العالم الإسلامي: التركية والفارسية والأردية والماليزية والاندونيسية وغيرها مثل مئات كتب الإخوان الأخرى، التي تتولى غسل أدمغة آلاف الشباب في العالم الإسلامي، واجتذاب آلاف آخرين باتجاه التنظيمات المتطرفة والإرهابية. ألا تعتبر فقرة كهذه تتلى في أوساط الإسلاميين منذ أكثر من أربعة عقود سبباً رئيسياً في تعميق اغتراب الإنسان المسلم عن مجتمعه في العالم الإسلامي أو المجتمع الذي يهاجر إليه في أوروبا وأميركا وأستراليا؟ بل هناك الكثير من الاقتباسات والأفكار الأخرى حول الحرية وحقوق الأقليات وتفاصيل القتال والجهاد وحقوق المرأة وغير ذلك كثير، ولا شك أن هذه الأفكار والنصوص والتعاليم، التي يبدو بعضها في منتهى "الاعتدال" بعد أن تسممت عقولنا، هي التي شكلت عقول الكثير من المسلمين رجالاً ونساءً في كل مكان، وهيأت الأرضية لظهور جيل من الإرهابيين الجهاديين، وبذلك وقع الصدام الكبير بين الإسلاميين والمجتمعات الغربية في أميركا وأوروبا. كيف يمكننا الخروج من هذا المأزق؟ الجواب مفتوح لكل الاجتهادات!