استمرت حالة العنف والإرهاب في العراق بين أنصار مقتدى الصدر وقوات التحالف ورغم كل المحاولات التي تبذلها جميع الأطراف إلا أن مسلسل العنف لم يتوقف. يبدو أن الصدامات العسكرية سوف تستمر ما دامت الأسلحة متوفرة بكثرة في العراق، وما دام كل فريق يهيئ نفسه للاستيلاء على الحكم بعد انسحاب قوات التحالف الغربي. الفضائيات العربية وعلى رأسها "الجزيرة" أججت وشجعت النزعة الداعية إلى انسحاب قوات التحالف، رغم حقيقة أن انسحاب هذه القوات سيؤدي إلى مزيد من الحرب وربما يقود إلى حرب أهلية بين الفرقاء المختلفين في العراق.
ما نتخوف منه فعلاً في دول الخليج العربية هو تزايد نفوذ رجال الدين في العراق، السنة والشيعة، وتدخل هؤلاء في كل صغيرة وكبيرة تخص الشأن العراقي. رجال الدين لديهم مفهوم خاص للديمقراطية يختلف عما هو معروف دولياً، فهم يريدون دوراً أكبر لرجال الدين ويسعون إلى أسلمة القوانين والدولة، وهذه مفاهيم تتعارض مع الديمقراطية. لا أحد في المنطقة يريد عودة تجربة طالبان في أفغانستان أو تجربة الثورة الإسلامية في إيران.
هل المناورات الأخيرة ستقود إلى حرب أهلية؟ نحن لا نتوقع ذلك لأن الولايات المتحدة متواجدة في العراق ولن تتركه ينزلق في حرب أهلية، لأن ذلك يضر بمصالحها ليس في العراق فقط بل في الوطن العربي الكبير. ماذا سيحصل للعراق بعد انسحاب القوات الأميركية؟ واستلام العراقيين مقاليد الحكم؟ لا أحد يعرف حتى الآن، بمن في ذلك العراقيون أنفسهم .الخلافات بين العراقيين كثيرة ومتعددة، وأعضاء مجلس الحكم مختلفون حول الكثير من القضايا، والسلطة الأميركية التي تدير العراق اليوم تريد أحداً في مجلس الحكم أو خارجه لديه الاستعداد لاستلام السلطة ولديه المقدرة على إدارة العراق الجديد.
الخلافات في العراق ليست محصورة في مجلس الحكم، بل توجد خلافات بين الشيعة والشيعة -جماعات الصدر ضد المرجعية الدينية في النجف- حول انسحاب القوات الأميركية، وهنالك خلافات بين السنة أنفسهم حول طبيعة الدولة القادمة، فالأحزاب الدينية السنية لم تتفق على طبيعة الحكم القادم في العراق. المتطرفون الإسلاميون يريدون دولة دينية بينما القوميون والليبراليون يريدون دولة علمانية. الأكراد يريدون فيدرالية حتى يتسنى لهم الاستقلال الذاتي والتركمان والمسيحيون يريدون تمثيلاً لهم في مجلس الحكم المؤقت.
في هذا الجو الخلافي تحاول بعض المليشيات الدينية استغلال الظروف وفرض إرادتها على المجتمع العراقي بالاستيلاء على المناطق المهمة في العراق. ما يتفق عليه الفرقاء في العراق هو أن القوى السياسية والمليشيات تريد مغادرة قوى التحالف بدون أن يكون لها برنامج عمل لكيفية إدارة حكم العراق. المطلوب من دول الخليج العربية اليوم هو دعوة كل الفرقاء العراقيين للاجتماع وتقرير كيفية إدارة الحكم بعد الصيف القادم تمهيداً للانتخابات القادمة ووضع الدستور،على الرغم من أن دول الخليج ليس في استطاعتها عمل أي شيء بدون موافقة دول التحالف الغربي.
علينا أن نخبر الإخوة في العراق بأن القوات الأجنبية سترحل قريباً وعليهم مسؤولية توحيد الشعب العراقي ووضع برنامج سياسي بعيداً عن الحزبية والطائفية والفئوية والعرقية. ما يحتاج إليه العراقيون اليوم هو تحكيم العقل والاهتمام بمصلحة العراق أولاً.