مساعٍ أوروبية لتطويق الأزمة المالية... ولـ"تعويم" سلام الشرق الأوسط ذكرى مرور خمسين عاماً على بزوغ "الجمهورية الخامسة" في النظام السياسي الفرنسي، وتوقعات باريس لمستقبل التسوية في الشرق الأوسط، والاستجابة الأوروبية المنتظرة للأزمة المالية الدولية، موضوعات ثلاثة نعرض لها بإيجاز ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. خمسون عاماً... من "الجمهورية الخامسة": خصصت صحيفة لوموند افتتاحيتها ليوم أمس للاحتفال بمرور خمسين عاماً على قيام الجمهورية الخامسة في فرنسا، وهي ذكرى مرت خلال هذا الأسبوع. وقالت لوموند إنه لا جدال على أن لدى الفرنسيين وقادتهم اليوم من الاهتمامات ما قد يشغلهم عن استعادة مناسبة كهذه. ولكن، لا يهم. فاستعادة ذكريات وعِبر قيام نظام سياسي ما زال حاكماً حتى الآن، تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا خاصة التي عُرفت عبر التاريخ بأنها بلد التغيير والتقلب بين النظم السياسية (خمس جمهوريات، وإمبراطوريتين، وملكيتين جمهوريتين، ودولة فرنسية خلال فترة القرن والنصف السابقة). ولئن كان نظام الجمهورية الخامسة الحالي في فرنسا طالما اتهم بتغول رئاسي يُعتقد أنه فُصل أصلاً على مقاييس زعيم بحجم -وقامة- الجنرال ديجول، إلا أن هذا النظام عرف تالياً من المصاعب والمآزق الكثير. وليس أدل على ذلك مما جرى خلال فترة التعايش الحزبي في الحكم بين سنتي 1986 و2002 إضافة إلى تفاقم أزمة التمثيل السياسي خلال العقدين الأخيرين، التي ضخ فيها التجاذب المزيد من دواعي الوهن خلال رئاستي شيراك. هذا دون إغفال الأربع والعشرين مراجعة دستورية التي عرفتها نصوصها التي أطلقت في مثل هذه الأيام من سنة 1958 والتي جعلت فرنسا الآن محكومة بنوع من الجمهورية- الملكية، ما زال صامداً في المشهد السياسي على رغم كل التحديات، وعلى رغم تنامي الدعوات المحمومة لإطلاق "جمهورية سادسة" بنظام ومعايير دستورية محسنة وجديدة. وذهبت لوموند إلى أن محاولة تقويم أداء النظام الرئاسي الفرنسي وصلاحياته الواسعة، هي الدافع الحقيقي وراء مساعٍ عديدة بعضها ما زال قيد البحث، هدفها تقليص صلاحيات الرئاسة، وتعزيز صلاحيات البرلمان، وإعطاء حقوق سياسية جديدة للمواطنين في رقابتهم على الطبقة السياسية والحزبية. كوشنر... والدولة الفلسطينية: نشرت صحيفة لوفيغارو ضمن تغطيتها لجولة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر في منطقة الشرق الأوسط، التي بدأها أول من أمس (الجمعة)، تصريحات قوية أطلقها أمس في جنين، قال فيها: "لم أعد أعرف إن كنا سنرى قيام دولة فلسطينية قبل نهاية السنة الجارية، ولكنني أعرف قطعاً أن قيام هذه الدولة بات ضرورياً، بل هو بمثابة مفتاح لكل تسوية". ومع أن وزير الخارجية الفرنسي لم يبدِ تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام من هنا وحتى آخر العام، كما تحدثت عن ذلك عملية "أنابوليس" العام الماضي، إلا أنه بدا متيقناً من إمكانية اجتراح حل، موضحاً أن سقف التوقعات لم يكن عند إمكانية التوصل إلى حل نهائي في هذا الأجل، وإنما كان فقط عن إمكانية إنجاز وثيقة ذات قيمة على طريق التسوية. والحال أن جولة كوشنر أمس (السبت) في الأراضي الفلسطينية واليوم (الأحد) في إسرائيل، تأتي على خلفية اجتماع للرباعية الدولية عقد الأسبوع الماضي في نيويورك، وأيضاً في مسعى منه لتسخين جمود عملية السلام التي يبتلعها الآن ما سماه الوزير الفرنسي بـ"الثقب الأسود" وذلك بالنظر إلى الانشغال الشديد في واشنطن بالحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، التي تعيش أميركا على إيقاع ذروتها الآن، معطوفاً على ذلك حالة الانتقال السياسي الصعب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، منتهي الولاية إيهود أولمرت، وخليفته المحتملة تسيبي ليفني. وترى لوفيغارو أن مهمة كوشنر في إسرائيل اليوم ستتركز أساساً على محاولة انتزاع بعض عمليات التخفيف في إجراءاتها التي تشل الاقتصاد الفلسطيني لتسهيل عمليات التنقل والحركة، بغية رفع بعض العراقيل والمعوقات أمام دورة حياة الفلسطينيين، ولإعادة تعويم اقتصادهم. كما ينتظر أيضاً أن يثير مع وزير الخارجية -ورئيسة الوزراء المقبلة المحتملة- قضايا الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، بغية لفت انتباهها إلى الموقف الفرنسي والأوروبي، ومواقف دول "الرباعية" الدولية، من هذه المسألة التي تعد إحدى أكبر العقد حتى الآن في مسار أية تسوية. أوروبا... والأزمة المالية: في افتتاحية بصحيفة "لوفيغارو" ذهب بيير روسلين إلى أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه الآن أمام مأزق حقيقي تطرحه عليه الأزمة المالية العالمية، ليس فقط لأن الأوروبيين لا يملكون عصا سحرية، وإنما أيضاً لأنهم سيكونون فريسة سهلة أمام أية فوضى اقتصادية أو مالية كبيرة، لاختلاف ظروفهم عن الولايات المتحدة، فهم وإن كانوا يمتلكون عملة موحدة ومصرفاً مركزياً ويشتركون في نفس المعايير المحاسبية، إلا أنهم مع ذلك ليسوا مثل الولايات المتحدة، فلا توجد حكومة واحدة تستطيع التحرك بمطلق الصلاحيات وميزانية موحدة معروفة، وببنك احتياطي تستطيع الدفع به بقوة في أي استحقاق بالغ الخطورة. بل إن مجرد فكرة وجود صندوق من هذا النوع الأخير، يستطيع تعويم الشركات الغارقة، يبدو مستحيلاً الآن في هذا الجانب من الأطلسي وذلك أساساً لعدم وجود أطر مؤسسية أو تشريعية تضمن قيامه وصرامة أدائه. ولذا فلا داعي للاستسلام للأوهام والأحلام الوردية وتعليق آمال غير واقعية على القمة الأوروبية المصغرة "الرباعية" أمس (السبت) بين قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، والتي انتظر البعض أن تقدم الخطوط العريضة للاستجابة الأوروبية لتحدي الأزمة المالية. ولكن لابد من تقليص سقف المتوقع من نتائج هذه القمة، من حيث اتخاذ إجراءات بالغة الفاعلية تحصن الاقتصادات الأوروبية من ارتدادات هذه الأزمة العالمية. ويدعو الكاتب الرئيسَ ساركوزي باعتباره هو الداعي لهذه القمة، وأيضاً بحكم توليه الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، إلى تعبئة قيادات الدول السبع والعشرين وجعلها مستعدة سياسياً لتحمل مسؤولياتها تجاه تهديد قد يطال اقتصاداتها جميعاً. ولئن كان التدخل الفرنسي والأوروبي تحلى بحس عالٍ من المسؤولية، وأدى إلى إنقاذ بنكين كبيرين، إلا أن هذا لا يكفي وحده، فلابد من وضع أطر أوروبية شاملة للتدخل في الحالات الطارئة، وليس فقط الاكتفاء بالتدخلات الموضعية، وحالة بحالة. وفي السياق نفسه دعا الكاتب جان مارسيل بوجيرو في عموده بمجلة لونوفل أوبسرفاتور إلى ضرورة ترسيخ سياسة اقتصادية أوروبية موحدة في مواجهة الأزمة المالية، وفيما بعدها أيضاً منتقداً ما اعتبره جنوحاً متنامياً من قبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للتفكير في تحصين بلادها فقط، وكأن شعارها: "ليهتم كل بنفسه". كما انتهز الكاتب ذو الميول اليسارية لوران جفرين فرصة الحديث عن تداعيات الأزمة المالية في افتتاحية كتبها لصحيفة ليبراسيون لينعى نظرية "دعه يعمل" الرأسمالية الشهيرة، مؤكداً أنها قد أشهرت أفلاسها الآن، على صعيد دولي، داعياً عتاة الليبراليين في الغرب إلى الاعتراف بأن تدخلات الحكومات وأموالها التي تضخها في مثل هذه الأحوال ليست هدراً ولا فضلة زائدة في الدورة الاقتصادية. ولا يبتعد عن هذا الطرح أيضاً كلود كابان في افتتاحية لومانيتيه، حيث توسع أكثر في تسمية الجهات التي أصيبت بالعطب الآن، لأن المصيبة برأيه لا تنال فقط الميزانيات والنظام المالي بل لقد مست أيضاً التشريعات والأفكار والسياسات والأشخاص، والقوى والكلمات، وكل ما له علاقة بالنظام الرأسمالي. والغريب أن بعض مسؤولي الحكومة الفرنسية ما زالوا يكررون في عناد أن الأزمة ليست أزمة ليبرالية، ولا أزمة رأسمالية! وإذا لم تكن كذلك، فأزمة من تكون، يا ترى؟ إعداد: حسن ولد المختار