يُكثر المسؤولون الإيرانيون من ترديد مقولة "قوى الاستكبار العالمي"، ناعتين بها هذه الجهة، أو تلك من القوى الغربية عندما تصطدم مصالحها بمصالحهم أو عندما يقومون بالضغط عليها تجاه قضية تدخل فيها طرفاً في مواجهتهم. وبطروحاتها الرنانة من هذا القبيل، تحاول إيران أن تصور نفسها بأنها مظلومة ومغلوبة على أمرها، ويمارس ضدها الغربيون سياسات تهدف إلى هضم حقوقها والمساس بمصالحها وسيادتها إلى غير ذلك من الأقاويل، التي تستهدف استدرار عطف شعوب العالم النامي، وإظهار صورة إيران أمامهم بأنها أمة مسالمة يستعديها الآخرون في كل موقف وكل لحظة لتغليب مصالحهم على مصالحها، ويمارسون ذلك تجاهها في استكبار وتعال لا يضاهيه أي استكبار آخر منذ بدء الخليقة. ولكن العجيب في الأمر هو أن إيران تمارس أدواراً أكثر استكباراً وتعالياً تجاه الدول التي تتشارك معها في الجوار الجغرافي في الخليج العربي، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة بالنسبة لقضية جزرها الثلاث المحتلة، فإيران تتصرف بطريقة تصعيدية متعالية تجاه هذه القضية، ناسفة بذلك الترتيبات التي نصت عليها مذكرة تفاهم عام 1971 حول جزيرة أبوموسى، وتحتل "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى" بالقوة العسكرية الغاشمة ظلماً وعدواناً. بالنسبة لجزيرة أبوموسى بالتحديد تقوم إيران بين الفينة والأخرى باتخاذ إجراءات تعسفية بهدف فرض الأمر الواقع على دولة الإمارات، وذلك منذ أن وطئت أقدام جنودها الجزيرة. وآخر ما توصلت إليه القريحة الإيرانية حولها، هو إنشاء مكتبين حكوميين فيها متجاهلة باستكبار أن ذلك ليس من حقها تماماً؛ لأن مسألة السيادة على أبوموسى تبقى مكفولة لدولة الإمارات وفقاً للترتيبات المُشار إليها. يُضاف إلى ذلك أن إيران تقوم باستفزازات أخرى كثيرة بالقرب من المياه الإقليمية لدول مجلس التعاون، خاصة إجراء المناورات العسكرية الضخمة وإيقاف سفن الصيد الخاصة بمواطني الإمارات ومصادرتها، والزج بطواقمها الملاحية في السجون، وفرض الرسوم والاتاوات الباهظة على أصحابها. وهي تقوم أيضاً بتوسعة وتحديث وتطوير قواتها المسلحة وتسعى جاهدة لحيازة القنبلة النووية. فلماذا كل ذلك؟ ومن هي الجهة التي تستهدفها من هذه العمليات؟ هناك أكثر من تفسير لذلك يصب في بحث إيران الدؤوب لنفسها عن دور الريادة في الخليج العربي والعالم العربي وجواره الجغرافي وفيما يعرف بالشرق الأوسط الجديد. والدور الذي تبحث عنه إيران، يتضمن مشاريع توسع، وهيمنة إقليمية طموحة في البلاد العربية. ومن الأمور التي ربما تكون خافية على الإنسان العربي العادي، هو أن إيران وقفت دائماً ضد الترابط العربي والنظام الإقليمي العربي قبل انهياره والوحدة العربية بشكل عام. وبالعودة إلى التساؤل الأساسي حول أسباب تبني إيران سياسات وخطوات تصعيدية تجاه دولة الإمارات، نرى أن إثارة إيران لقضايا السيادة على جزيرة أبوموسى والمعاملة التي يلقاها مواطنوها -كما تقول- في المداخل الحدودية للدولة بذلك الشكل المفاجئ والحاد، يعكس درجة الاستكبار التي تمارسها إيران تجاه دولة الإمارات، مثلما تعكس رغبتها الملحة في استعادة وفرض سياسات الأمر الواقع استناداً إلى التفوق العسكري كأساس لكل التصرفات اللاحقة. فإيران تنظر إلى نفسها بأنها أهم دول المنطقة وأكبرها إمكانيات، ومن هذا المنطلق تتصرف علانية على أساس أنه لا يمكن لأية ترتيبات جماعية من أي نوع، أن تنجح على صعيد المنطقة برمتها، ما لم تكن هي ضالعة فيها كطرف أساسي. ويعزى عدم إثارة إيران لهذا النوع من القضايا في السابق إلى عوامل تعود إلى أبعاد داخلية وإقليمية وعالمية تخص إيران ذاتها، وجميع تلك الأبعاد لم تمكنها من توضيح تطلعاتها وأهدافها التوسعية التي أثيرت في السابق ولا تزال مستمرة. ولكن باحتلال العراق وتحطيم قدراته العسكرية وبُناه الاقتصادية والاجتماعية، وما نتج عن ذلك من تحجيم لدوره في شؤون الخليج والمنطقة العربية وجوارها الجغرافي، أرادت إيران أن تستفيد من ذلك لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الآخرين، خاصة دولة الإمارات ودول الخليج العربي الأخرى. وفي سياق ذلك، تمارس إيران استكباراً منقطع النظير على هذه الدول وتعاملها بطريقة استفزازية غير مقبولة في الأعراف الدبلوماسية والكياسة الدولية. إن ذلك يذكرني بأنه عندما تدعو دولة الإمارات أو أطراف وسيطة أخرى إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات حول احتلال الجزر، تقوم إيران بإرسال مندوبين من درجات دنيا للحضور، وعندما تعقد الاجتماعات تصر إيران على جداول للأعمال تحتوي على كل شيء تريد فرضه، ولكن دون أن تكون قضية احتلالها لجزر الإمارات من بينها، فهل يوجد استكبار أشد من ذلك من طرف لا يعرف حقيقة ذاته، ولا نرى أن من حقه أن يصف الآخرين بالاستكبار في الوقت الذي يمارسه هو حتى النخاع.