قبل شهر واحد، وبينما كانت حملة المرشح الجمهوري، السيناتور جون ماكين، تصارع من أجل إيجاد قوة دافعة لها، لجأ المرشح الرئاسي إلى أسلوب الصدمة المفاجئة، باختياره سارة بالين، حاكمة ولاية الاسكا، نائبة له. وبفعل تلك الصدمة، استعاد قلب الحملة الرئاسية الجمهورية نبضه مجدداً. لكن، وتحت تأثير الأزمة المالية الراهنة، أصيبت حملة ماكين بمحنة جديدة، اضطرت قائدها للجوء إلى صدمة مفاجئة أخرى، هي مغادرة الحملة والتوجه إلى واشنطن سعياً وراء اقتناص فرص أخرى للفوز بالسباق الرئاسي هناك. لكن لم تحظ الشفافية التي اتسمت بها مشاركة السيناتور في المفاوضات التي جرت بين وزير الخزانة هنري بولسون والكونجرس، حول مبلغ الـ700 مليار دولار المقترح لإنقاذ النظام المالي الأميركي من أزمته الراهنة، بما توقعه لها ماكين من الترحيب لدى المفاوضين. غير أن ماكين حظي بدعم الرئيس بوش هذه المرة، مع العلم أن الأخير كان قد فضل الاختباء وراء "بولسون" الذي تركت له مهمة إقناع الكونجرس بابتلاع ذلك القرص المر وحده. وما أن رأى بوش تردد منافس ماكين الديمقراطي باراك أوباما في قطع حملته والالتحاق بهذه المفاوضات، حتى قدّم إلى حليفه عرضاً تصعب مقاومته: اجتماع في البيت الأبيض، مكرس لمناقشة الأزمة الاقتصادية. وفي الوقت نفسه غادر بوش غرفة الإنعاش السياسي التي دخلها مؤخراً ليلقي على الجمهور الأميركي خطاباً متلفزاً، وردت فيه أوصاف للأزمة المالية مثيرة لحساسية مسؤولي "مين ستريت"، خاصة أن هؤلاء يلقون باللائمة في الأزمة المالية الراهنة على ما وصفوه بإهمال وطيش المسؤولين الماليين في "وول ستريت". ورغم التراجع المريع الذي حدث لشعبية الرئيس بوش نفسه، بدا خطابه الأخير، كما لو كان مصمماً خصيصاً لدعم حملة ماكين. وبدا بوش في خطابه وكأنه يستشعر واجبه -باعتباره قائداً أعلى للجيش- وكأن الخدمة التي يسديها هي أقل ما يجب عليه القيام به إزاء أحد أقوى مؤيديه في الحرب التي شنها على العراق، خاصة وقد انفض من حول بوش كثير من مؤيديه بسبب تلك الحرب. وعلى الفور سارع بعض أنصار ماكين، من أمثال السناتور ليندسي جراهام من ولاية كارولينا الجنوبية، إلى وصف قطع ماكين لحملته الانتخابية وعودته إلى واشنطن للمشاركة في المفاوضات المذكورة، كمؤشر قوي على روحه القيادية القومية، بما في ذلك مطالبته بتأجيل المناظرة الانتخابية الأولى مع منافسه أوباما. غير أن ما بدا عزماً ومؤشراً على روح قيادية قومية للبعض، بدا للبعض الآخر مجرد مهزلة درامية سياسية، وطعناً في ذكاء الناخبين والتقليل من شأنهم وقدرتهم على فهم مثل هذه الألاعيب السياسية المثيرة للسخرية. ومن ناحيته، قال أوباما إن الأزمة المالية الجارية لم تكن سوى مناسبة ضمن غيرها من الظروف المصاحبة، التي سمحت باستمرار الحوار العام وفقاً للجدول المقرر له. وسوف تتيح الأزمة نفسها لكلا المرشحين الرئاسيين فرصة ملائمة لطرح أفكارهما ومواقفهما قبل ازدياد حمّى المناظرات التلفزيونية الأطول بين المتسابقين. وذكر أوباما -أنه وخلال مكالمة هاتفية جرت بينه وماكين- أنه هو -وليس ماكين- من بادر بإطلاق فكرة الاستجابة الثنائية الحزبية للأزمة المالية. واستجاب ماكين بالموافقة على إصدار بيان مشترك بينه وأوباما، على المبادئ العامة المتفق عليها لوضع حد للأزمة. وعلى حد إفادة أوباما، فقد اقترح ماكين بعد ذلك تعليق الحوار والذهاب إلى واشنطن. لكن كانت مفاجأة ماكين التي علم بها أوباما للمرة الأولى عبر شاشة التلفزيون، مثل غيره من بقية المشاهدين العاديين. وتتلخص هذه المفاجأة في القرار الأحادي الذي اتخذه ماكين بالعمل لوحده في التصدي للأزمة المالية وإيجاد حل لها! والحق أن لحملة ماكين شفافية سافرة في مثل هذه التحركات التكتيكية الانتخابية، لدرجة أنها تكاد لا تخفى على أحد. وتندرج ضمن هذه الشفافية، الطريقة التي ظلت تقدم بها الحملة سارة بالين، مرشحة الحزب الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، منذ انعقاد مؤتمر الحزب، وكأنها دمية جذابة للعرض وغير قابلة للخضوع لأي من التحقيقات الصحفية العميقة عن خلفيتها وخبرتها السياسية السابقة. وتنسحب هذه التكتيكات على تعمد إجلاسها من قبل الحملة الانتخابية نفسها، إلى جانب الدبلوماسي ووزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، في الجلسات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وبقدر ما يثيره ذلك الجلوس من سخرية ورغبة في الضحك، فإنه كان مناورة محسوبة من قبل الحزب، قُصِد منها الإيحاء بأن لسارة بالين من الخبرة في السياسات الخارجية ما يؤهلها للجلوس بجوار كيسنجر! لكن وعلى رغم هذه المناورات، فهي لم تعد على حملة ماكين إلا بتراجع شعبيته في أوساط الناخبين والرأي العام الأميركي منذ اشتداد محنة الأزمة المالية الأخيرة. فخلال مدة تقل عن الشهر، تبدل هامش نسبة الـ49-47 في المائة، الضئيل الذي كان يتقدم به على أوباما، إلى تقدم لأوباما عليه بفارق 52-43 في المائة. وهكذا تحل محنة تراجع جديدة بحملة ماكين -رغم كل ما وُصف به من روح قيادية قومية- تغزل مسارها قبل ما يزيد على خمسة أسابيع بقليل على معركة نوفمبر الفاصلة! وليام فاف كاتب ومحلل سياسي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز"