كنتُ قد اخترتُ لكتابي الذي صدر قبل أيامٍ عنوان: الإسلام في السياسات الدولية. ثم ذكرت كارين أرمسترونغ في تصريحٍ لها لإحدى الفضائيات أنّ الإسلام مخطوف (من جانب الأصوليين)، وأنّ على المسلمين المعتدلين والمتنورين أن يستنقذوه! وهكذا أدركتُ أو التقطتُ فوراً ما كنتُ أحدُسُهُ قبل أحداث11 سبتمبر 2001: أنّ هناك صراعاً ناشباً على روح الإسلام أو مشروعيته إذا صحَّ التعبير، ولذلك توصلتُ لتسمية كتابي الذي يُعالجُ هذا الموضوع:"الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية". وهذا الصراع مزدوج، بمعنى أنه ذو جانبٍ داخلي يتمثل في صراع الأصوليين مع السلطات، وفي صراع المتنورين والعلمانيين مع المتدينين، وفي صراع الأصوليين أيضاً ضدَّ التقليد بدعوى فتح الاجتهاد، والحلول محلّهم في مجال المرجعية. أما الصراع مع الخارج، فهو في الأصل صراعٌ على صورة الإسلام، وعلى إمكانياته، وعلى جغرافيته السياسية. وهو الآن صراع أيضاً على روحه الداخلية، وعلى نبض ومواطن وحساسيات المشروعية فيه.
وقد بعث على معالجة هذا الموضوع الآن، ليس صدور كتابي وحسْب، بل أحداث بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والناصرية في الأيام الماضية حين أطلق السيد مقتدى الصدر تمرداً على "قوات التحالف" التي تحتلُّ العراق. فالمعروف أنَّ الزعيم الشابّ جمع من حوله عشرات الأُلوف من الشباب والعامّة، وجنّب نفسه الدخول في مجلس الحكم الانتقالي، كما ظلَّ على مسافةٍ من الأميركيين، ومن الأطراف الشيعية الأُخرى. ويحاولُ البعضُ تعليل نفوره وعدوانيته تُجاه الأطراف الشيعية، وتُجاه قوات الاحتلال، بأنّ والده قُتل على يد أعوان صدَّام عام 1996 بعد صعودٍ سريعٍ سكت عنه النظام العراقيُّ آنذاك. وما تردد وقتَها من بعض الناس في إيران ولندن في شماتة، بحجة أنّ صداماً استخدم الصدر ضد الخوئي ثم قتله. ولهذا السبب تعتقد أطرافٌ متعددةٌ أنّ السيد مقتدى حاقدٌ على أولئك الذين يعتبرهم مشاركين في قتل والده وإن بشكلٍ غير مباشر. لكنْ إذا كان السيد مقتدى الصدر تُحرّكُه دوافعُ الضغينة والغوغاء، فما كان باستطاعته أن يحشُدّ وراءه هذا الجمع الغفير، وكان ليستغلَّ سُمعة والده للتحول إلى مرجع مع الوقت، وذاك كان أفضل الممكن. لكنه آثر البقاءَ خارج الحلبة (رغم العَرْض عليه!)، لأنه رأى أنه لا تجوزُ مهادنةُ الاحتلال، فضلاً عن التعاوُن معه. وكانت نظرياتٌ وفرضياتٌ كثيرةٌ قد ظهرت منذ دخول القوات الأميركية والبريطانية أراضي العراق من أجل إسقاط نظام الحكم، والاستيلاء على النفط، وإرعاب الدول العربية وإيران. وقابل مراجع الشيعة تلك الجيوش الغازية معلنيـن الجهاد، ثم تغير التوجُّهُ بعد الاستيلاء على بغداد. ولذلك شاع أنّ الشيعة لن يقاتلوا الأميركيين، لأنّ أولئك سيكونُ لهم دَورٌ أساسيٌّ في إعطائهم السلطة بالعراق. ومع أنّ السيد السيستاني ما وافق رسمياً على إدخال أحدٍ من جانبه لمجلس الحكم، فقد عيَّنَ بريمر بمجلس الحكم أكثريةً شيعيةً، وبعضُها أطرافٌ جديدةٌ في التعامل مع الأميركيين (مثل حزب الدعوة ، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، والبعض الآخر ممن عملوا وتعاونوا منذ زمن مثل إياد علاّوي وأحمد الجلبي. وهكذا صارت سائر الأطياف الشيعية ممثَّلةً (حتى السيستاني وضَع فاضل الرُبيعي نفسه بتصرفه) بالمجلس، وحتى ممثل التركمان تبيَّنَ أنه شيعيٌّ. ووحده السيد مقتدى الصدر، كما سبق القول، أبى المشاركة، وأزعجه، كما أزعج العامة أن يمثّل الشيعة العراقيين في الأكثر أُناسٌ عاشوا في المنافي، أو تعاونوا مع المحتلين الأميركان، في حين كان آل الصدر، شأنهم في ذلك شأن عراقيين كثيرين يرزحون تحت أعباء وسيوف صدّام ونظامه المُرعب.
وصحيحٌ أنّ للسيستاني اعتراضاتٍ كثيرةً على "الاحتلال" الذي يسّميه كذلك. كما أنّ له اعتراضات كثيرة على الدستور المؤقت. لكنه لا يؤيد اللجوء للعنف في المواجهات معه. أما الجهات الدينيـة السُنيّـة كلُّها فتقول باستخدام العنف ضد المحتلّ، ومن هنا فإنه لولا نموذج مقتدى الصدر، لصحَّت الشائعة القائـلة إنّ هناك اتفاقاً شيعياً/ أميركياً بشـأن مستقبل العراق، إن لم تكن الجهة الدينية الرئيسيةُ (السيستاني) طرفاً فيه، فإنها على الأقلّ لا توافق على المواجهة العنيفة في التعامل مع المحتلين.
والواقع أنّ ذلك شكّل نوعاً من الارتياح للأميركيين والبريطانيين. والذين انصرفوا لإعادة بناء العـراق السياسي على أساس الأكثرية والأقلية، والشيعة والأكراد، معتبرين السنة أقليةً ضئيلة العدد والمشروعية. وفي الوقت الذي كانوا يتابعـون فيـه تصديهُمْ للمثلث السنـي والمقاومة فيه، ظلُّـوا يصـرُّون أنّ مقاتلي "الإرهاب الإسلامي"، من أنصـار الإسلام وأن مقاتلي القاعدة (عبر أبو مصعب الزرقاوي) هم الذي ينشرون الرعب ضدّهم وضد الشيعة (عبر العمليات التفجيرية المشهورة)، وليس العراقيين السنة، باستثناء قلةٍ ضئيلةٍ من بقايا البعث وعملاء النظام السابق. أما مقتدى الصدر فقد اعتبروه تحدياً أمنياً، وليس تحدياً دينيا