عندما يتعلق الأمر بالحرب في العراق فإنه كثيراً ما تصادفنا الكتب التي تسعى إلى تسليط الضوء على بعض جوانبها، سواء العسكرية أو السياسية أو الدبلوماسية، ومع توالي السنوات وظهور تطورات جديدة في الميدان صدرت كتب يحاول أصحابها إما تبرئة ساحتهم وتسويغ قرارتهم الكارثية، أو اللجوء إلى اللعبة الأسهل بإلقاء اللوم على الغير والتنصل من المسؤولية. لكن الكتاب الذي نعرضه اليوم في هذه المساحة لمؤلفه العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي "بيتر مانسور" بعنوان "بغداد عند الشروق: حرب قائد لواء في العراق"، يختلف عن باقي الكتب من حيث كونه يسجل وجهة نظر قائد عسكري برتبة عقيد قاد اللواء الأول من الفرقة المدرعة الأولى وأشرف مع 1500 من قواته على تأمين أحياء الرصافة والأعظمية مباشرة بعد سقوط النظام البعثي في العراق. ففي الوقت الذي يعطي الصحفيون والمراسلون الحربيون أنفسهم الحق في تقديم المواعظ والنصائح للعسكريين إلى درجة يتخيل المرء أحياناً أنهم جنود مخضرمون، وفي وقت يفرط الأكاديميون في إحالاتهم النظرية وشروحاتهم المنفصلة عن الواقع، يأتي الكتاب الحالي، وهو عبارة عن مذكرات دونها العقيد "مانسور" على امتداد خدمته في العراق بين يونيو 2003 ويوليو 2004، ليسجل اللحظات العصيبة خلال الحرب، مضيفاً إليها نفحة إنسانية جعلت الكتاب أكثر واقعية في رصده للأحداث التي عاشها قائد اللواء إلى جانب قواته. فالمعروف أن الجيش قوة صلبة همها الأول هو مواجهة قوات أخرى وإحراز النصر عبر تدمير العدو وتكبيده خسائر كبيرة ترغمه على الاستسلام، أو الانسحاب النهائي، لكن الوضع في العراق، وخاصة في بغداد، حيث اندلعت أولى شرارات التمرد، كان مختلفاً بعدما تحكمت فيه ميليشيات مسلحة تظهر وتختفي وتعتمد تقنيات الكر والفر المستخدمة في حرب العصابات. هذه الحرب التي تستنزف القوات النظامية وتربكها وتنال من روحها المعنوية بعد سقوط الضحايا فتصعب من العمليات القتالية وتفرض على الجيش الانتقال إلى مهام أخرى عادة ما تقوم بها الشرطة، ويبدو أن قائد اللواء "مانسور" أدرك هذه الحقيقة مبكراً، قائلاً: "يمكن لوسائل الاستشعار عن بعد والقوة النارية أن تلحق الهزيمة بالعدو، لكنها لا تستطيع إحلال السلام، لذا أصبح من اللازم أن تعمل القوات العسكرية على حفظ الأمن وجلب الاستقرار بنفس الطريقة التي كانت تقوم بها القوات الرومانية". غير أن التصاق المؤلف بواقع العمليات العسكرية وإكراهات التحرك العسكري الميداني لا يعني نقصاً أكاديمياً، أو غياب الجانب النظري، فهو حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة "أوهايو" في التاريخ العسكري، كما درس في الأكاديمة العسكرية الأميركية، وبعد انتهاء فترة خدمته في العراق شغل منصب مدير مركز مكافحة التمرد التابع لقوات مشاة البحرية، وفي الفترة بين 2007 و2008 استدعاه الجنرال ديفيد بيترايوس للإشراف على جهود مكافحة التمرد في العراق. وفي ذروة القتال الذي انخرطت فيه قوات العقيد "مانسور" في أحياء بغداد الخطيرة وما لاقاه من عنت كبير في تأمينها ومنع التطهير الطائفي الذي كان سائداً وقتها، لم ينسَ المؤلف اللحظات الإنسانية الخالصة التي عاشها وأضفت على فترته خدمته في العراق بعداً واقعياً ينأى عن التنظير وإسداء النصائح. ومن بين تلك اللحظات مقتل الرقيب المسؤول عن قواته في إحدى العمليات عندما انفجرت عبوة ناسفة زرعت في الطريق، بالإضافة إلى مشاكل أخرى لا تظهر عادة في أفلام هوليود التي تصور العمليات القتالية بدقة متناهية لكنها تفشل في نقل التفاصيل اليومية لحياة الجنود والصعوبات التي تواجههم. فقد لاحظ المؤلف، على سبيل المثال، وهو على رأس قواته في بغداد أن نوعية الغذاء الذي يتلقونه تكاد تقتصر على المعجنات الإيطالية، وعندما استفسر عن الأمر وجد أن الضابط المسؤول عن توزيع الطعام يبدأ بالمناطق الأقرب إلى وحدته فيحصلون على ما لذ وطاب، في حين يبقى من هم في المناطق البعيدة على الهامش، مما دفعه إلى رفع الموضوع إلى قيادة قوات التحالف لمعالجته. والكتاب في الحقيقة يتحول بما يتضمنه من شهادة شخصية لقائد اللواء الأول في بغداد وما يحتويه من تجارب مريرة في مكافحة التمرد، إلى دليل آخر يتفوق على ذلك الذي أعده الجنرال بيترايوس في التعامل مع المتمردين. فبدلاً من تخفيف اللغة، كما جاء في الدليل الرسمي للقوات الأميركية والذي يدعو إلى تعامل أكثر ليناً مع المتمردين لكسبهم إلى صفوف القوات الأميركية، يؤكد العقيد "مانسور" أن حماية السكان والحفاظ على المناطق المحررة تحت السيطرة، لا يعنيان معانقة المتمردين، أو الترحيب بهم، معتبراً أن قتلهم والفتك بهم يبقى ضرورياً كلما أتيحت الفرصة لذلك. وفي الفصل الأخير من الكتاب الذي يلخص رؤية المؤلف ويضمنه صفوة قوله حول الحرب، يشير إلى حاجة الجيش الأميركي لتغيير ثقافته القتالية حتى يستطيع خوص حروب القرن الحادي والعشرين، معبراً عن ذلك بقوله: "لا يمكن لأميركا أن تبقى قوة عظمى إذا ظلت الفكرة السائدة هي أن خوض الحروب يقتصر على جزء محدود من السكان الذين يشكلون القوات المسلحة". زهير الكساب الكتاب: بغداد عند الشروق: حرب قائد لواء في العراق المؤلف: بيتر مانسور الناشر: منشورات جامعة "ييل" تاريخ النشر: 2008