في عام 1952 أصبحت ضاحية "لاشكار جاه" الصغيرة، موضع اهتمام رئيسي للسلطات المحلية لوادي هيلمند، بسبب مشروع السد المائي العملاق الذي مولته أميركا، واضطلع بتصميمه الهندسي عدد من المهندسين وخبراء الري الأميركيين. وكان يهدف ذلك المشروع لانتشال ملايين الفلاحين من هوة الفقر والإملاق التي يرزحون تحتها. غير أن الهدف الاستراتيجي الآخر للمشروع، كان له صلة بتمديد النفوذ الاقتصادي الدبلوماسي الأميركي في تلك المنطقة من القارة الآسيوية التي كانت تعد مجال تنافس حاد وقوي بين المعسكرين الغربي والسوفييتي خلال الحرب الباردة. وبعد سنوات قليلة من تنفيذ ذلك المشروع، وتحديداً في شهر مايو 1960 حل المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي ضيفاً على تلك المنطقة، قادماً من قندهار التي تبعد عنها 90 ميلاً. وما إن وطأت قدماه هناك، حتى سحره ذلك الإنجاز الأميركي الباهر: مستشفى حديث شيد وجهز طبياً ومعمارياً على الطريقة الأميركية، بيوت بنيت هي الأخرى على الطراز الأميركي، ثم مدرسة حديثة بديعة يختلط فيها الدارسون الأفغان من الجنسين. وأمام ذلك المشهد، لم يجد المؤرخ البريطاني ما يسعفه بالتعليق على ما رأى، أكثر إلهاماً من قول الكاتب اليوناني المسرحي الشهير سوفوكليس: "إن ما ابتكرته الآلات يتجاوز كثيراً حدود الخيال والحلم". بقي أخيراً أن نقول إن توينبي وجد أمامه طريقاً سهلاً سالكاً آمناً إلى وادي هيلمند حينئذ، وإن أحداً لم يكن يهدد حياته البتة. لكن الذي فعله لورانس فريدمان -مؤلف هذا الكتاب- هو عكس الرحلة التي سجلها توينبي من قندهار إلى هيلمند، إذ سافر المؤلف براً من لاشكار جاه إلى قندهار، ومنها إلى كابول عام 2006. وبدلاً من تلك الرحلة السهلة الآمنة التي قام بها توينبي، والمعالم الحضارية البديعة التي بهرته، عبَر المؤلف رحلته مستخدماً طرقاً سريعة وداخلية يسيطر عليها متمردو قوات "طالبان"، وتتناثر على جانبيها آثار السيارات المدمرة المحترقة، إلى جانب ما خلفته القنابل القذرة وراءها من علامات وآثار. أما لاشكار جاه، فتحولت إلى ضاحية يسكنها الخوف والفقر والعنف. ولم تكن الرحلة باتجاه العاصمة كابول نفسها سوى رحلة صوب مدينة آئلة إلى المصير ذاته كما يقول المؤلف. والآن وبعد مضي عامين كاملين على تاريخ الرحلة الأولى، فإن قيادة السيارة عبر الطريق نفسه، لا يمكن أن توصف بأقل من كونها عملاً انتحارياً. ولم يورد الكاتب في مؤلفه الموسوعي التاريخي هذا، الذي تناول فيه علاقة أميركا بمنطقة الشرق الأوسط الكبير، أدنى إشارة لمشروع وادي هيلماند المذكور. إلا أن الملاحظة الرئيسية التي سجلها حول الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة، تتلخص في اعتمادها على ثلاثة عناصر هي: القوة والعقيدة والوهم، إلا أنه أعطى اهتماماً خاصاً للوهم أكثر من غيره في تحديد السياسات الأميركية إزاء المنطقة، لاسيما خلال عهد "المحافظين الجدد". على أن الدراسة التي اضطلع بها الكاتب، لا تقف عند حد النزاع الجاري الآن بين القوى الغربية المتحالفة مع الغزو الأميركي لأفغانستان، ومتمردي حركة "طالبان" المتحالفة مع تنظيم "القاعدة"، إنما تمتد لتشمل سياسات واشنطن تجاه منطقة الشرق الأوسط الكبير طوال العقود الخمسة الماضية. ومن الأحداث الرئيسية التي شملتها الدراسة وتناولتها برؤية تاريخية: نشأة دولة إسرائيل، صعود وأفول الحركة القومية العربية، نشأة تيار الإسلام السياسي في المنطقة، الغزو السوفييتي لأفغانستان، الحرب العراقية -الإيرانية، نشأة "طالبان" و"القاعدة"، دحر السوفييت من أفغانستان، الغزو الأميركي الأخير لكابول، وصولاً إلى جولة الرئيس بوش الشرق أوسطية القريبة. واتخذ الكاتب من عام 1979 تأريخاً لفشل اليسار وبدء تراجع نفوذه في المنطقة، معتبراً أن ضعف هذا التيار هو الذي فتح الطريق أمام صعود تيار الإسلام السياسي، بدءاً بالثورة الإسلامية في إيران. وفي إطار هذا التغير الأيديولوجي والسياسي الجاري في المنطقة، حلّ تيار الإسلام السياسي محل الحركة القومية العربية الاشتراكية. غير أن هذه التحولات لم تتم بمعزل عن ردود الفعل الشعبية المحلية على السياسات الأميركية إزاء المنطقة. وأكثر ما تتسم به هذه السياسات، هو سعي واشنطن المستمر إلى تغيير المنطقة استراتيجياً وسياسياً بأداة القوة، على نحو ما فعلت مؤخراً في كل من أفغانستان والعراق. ومن رأي الكاتب أن هاتين التجربتين الجاريتين حالياً، كفيلتان بدفع واشنطن إلى إعادة حساباتها ومراجعة استراتيجيتها الشرق أوسطية اعتماداً على تعلمها لدرس حدود القوة العسكرية. وقال إن العالم كله تعلم هذا الدرس عملياً ولكن بتكلفة باهظة جداً كما نرى. من القضايا التي استحوذت على اهتمام الكاتب طبيعة الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، وتأثيراته السالبة على السياسات الإقليمية في منطقة جنوب غربي آسيا كلها. فالنزاع مع طهران، على سبيل المثال، ليس نزاعاً غربياً -إيرانياً كما قد يفسر ويفهم لدى البعض، بقدر ما هو نزاع في الوقت نفسه بينها وبقية العالم السني في المنطقة الشرق أوسطية. ويخشى القادة الإقليميون السنيون اليوم، مما أفضت إليه حرب أميركا على العراق من تصاعد لنفوذ طهران وحلفائها الإقليميين. وهكذا يبدو انهيار مشروع وادي هيلمند بمثابة رمز بعيد خفي لانهيار الحلم الأميركي الشرق أوسطي كله. عبد الجبار عبد الله الكتاب: خيار الأعداء: أميركا في مواجهة الشرق الأوسط المؤلف: لورانس فريدمان الناشر: دار "ويدنفيلد آند نيلسون" للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2008