أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز صرخة ألم يكتمها في أعماق صدورهم كثير من ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية. فالأذى الذي يسبّبه بعض المسلمين للإسلام ولصورته بسلوكهم المتطرف، والضرر الفادح الذي يلحقونه به شرعة ومنهاجاً، لم يعد يجوز السكوت عليه. وهذا ما فعله العاهل السعودي عندما قال أمام مجموعة كبيرة من العلماء المسلمين في مكة المكرمة إن بعض المسلمين يسيء إلى الإسلام ويشوّه سمعته، مع الأسف الشديد. وتأسيساً على هذا الموقف الجريء لم يعد جائزاً السكوت. ولم يعد مقبولاً أن يقتصر رد الفعل على الأذى المستشري بمجرد الشكوى منه أو إدانته. لابد من كبح جماحه. ولابد من وضع حدّ له. والسؤال هو: كيف؟ للإجابة على هذا السؤال، لابد من الإقرار بأنه لا توجد وصفة سحرية للشفاء من هذا المرض العضال. وهو مرض "متشارك" بمعنى انه عدة أمراض في حالة واحدة. ورغم ذلك، لابد من الإقرار أيضاً بأنه مرض غير ميؤوس منه. فالشفاء ممكن. ولكنه يحتاج إلى علاج متعدد يشمل النواحي الدينية والتربوية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية. كما أنه يحتاج إلى مدى طويل بما يمكّن من صناعة جيل جديد متحرر من كوابيس الجهل وسوء الفهم أو سوء التفسير. فالمنهج القائم على احتكار الحقيقة وعلى تكفير المختلف ورفضه، بل وقتله، هو الذي أوصل سمعة الإسلام إلى الدرك الذي وصلت إليه، حتى اضطر الملك عبدالله إلى إطلاق صرخة الألم. كذلك فإن غياب المركزية الإسلامية في إصدار الفتاوى الشرعية أدى إلى انتشار الدكاكين التي تصدر فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان من "رضاعة الكبير" إلى "قتل ميكي ماوس"!!. الأمر الذي بلغ من الإساءة إلى الإسلام حداً أصبح الإسلام معه مادة للسخرية والاستهزاء بين الذين يجهلون حقيقة تعالميه ولا يعرفون شيئاً عن الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها. طبعاً ليست الفتاوى المستغربة في المضمون وفي التوقيت معاً التي تصدر من هنا وهناك دون حسيب ولا رقيب هي المصدر الوحيد للعلة. هناك، إضافة إلى ذلك، قيام حركات مسلحة تحمل أسماء وترفع شعارات دينية مثل "جيش الإسلام"، و"جيش محمد"، و"جيش الدفاع عن القرآن". وسواها. وتمارس هذه الحركات أعمال عنف مسلّح، إما داخل أوطانها كما حدث ويحدث في العديد من الدول من المغرب حتى باكستان وإندونيسيا.. أو ضد دول أخرى كما حدث مؤخراً في الهند حيث فجرت قنبلة وسط سوق تجاري مزدحم بالمواطنين الأبرياء في قلب العاصمة نيودلهي. قد نفهم أن يعترض فريق من الناس على سياسة حكومتهم الوطنية. ونفهم أن يستخدموا حقهم في التعبير عن هذا الاعتراض. ولكن أن يذهب المعترضون إلى حد القتل العشوائي وباسم الدين وتحت شعارات ورموز دينية، فذلك أمر لا يمكن فهمه ولا يمكن تبريره. وسواء كان الاعتراض في محله أو لا، فما دخل الشعارات الإسلامية حتى يزج بها في خضم المشاكل السياسية المحلية الضيقة؟ إن تلك الممارسات تسيء إلى هذه الشعارات وإلى هذه الرموز وتساعد المتربصين بالإسلام شراً على توظيفها ليس فقط لتسعير حملاتهم المغرضة، وإنما لضخ هذه الحملات بمزيد من التبريرات. إن سلوكاً من هذا النوع يرتكبه مسلمون، وباسم الإسلام -وبصرف النظر عن نواياهم - يؤدي إلى أمرين خطيرين: الأمر الأول هو زيادة الهوة اتساعاً بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الدينية الأخرى والتي يعمل المخلصون من القياديين ومن المفكرين المسلمين على ردمها من خلال تصحيح الصور النمطية السلبية الرائجة، أما الأمر الثاني فهو محاولة تشويه صورة الإسلام ليس في عيون غير المسلمين فقط، وإنما في عيون المؤمنين به أيضاً. وبذلك يلحق هؤلاء بالإسلام من الضرر وهم يدّعون الدفاع عنه، أكثر مما يلحق به الآخرون الذين لا يتورعون عن إعلان كراهيتهم له. فأن يُظلم الإسلام من كارهيه شيء، وأن يُظلم من أبنائه شيء آخر. وأن يُظلم الإسلام من جاهليه شيء وأن يُظلم ممن يصدرون الفتاوى باسمه شيء آخر. وأن يُظلم الإسلام بهدف استعداء العالم عليه شيء وأن يُظلم بحجة الدفاع عنه و"الموت" في سبيله أمر آخر. وعندما تلتقي موجتا الظلم من الجانبين معاً وبصورة تكاملية وتناسقية يصبح الأذى من الشدة ومن الضرر بما لا يُحتمل وبما لا يجوز السكوت عنه. إن صرخة الملك عبدالله تحتاج إلى صرخات جريئة مماثلة على مستوى القيادة في العالم الإسلامي تتجسد كلها في عمل مشترك، وهو ما كان منتظراً من منظمة المؤتمر الإسلامي في عهد أمينها العام أكمل الدين إحسان أوغلو لما يتمتع به من علم وإيمان وتفانٍ. صحيح أن البيروقراطية المتأصلة في المنظمة تبعث على الإحباط، إلا أن تراكم الإساءات التي تثقل كاهل الإسلام، وتنامي خطر التطرف والغلو الذي يؤشر إلى المزيد من هذه الإساءات، يوجب تحريك انتفاضة داخل المنظمة تستجيب للصرخة التي أطلقها العاهل السعودي من قلب مكة المكرمة. إن دول العالم الإسلامي تحتاج إلى الاتفاق على إقامة مؤسسة للفتوى، تكون في مستوى تحديات العصر الحديث علمياً وتنظيمياً وتكون الفتاوى الصادرة عنها ملزمة للمسلمين جميعاً. ومن المؤسف أن مجلس الفقه المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي لم يتمكن من أداء هذا الدور على رغم أهمية العلماء الذين يتألف منهم وعلى رغم أهمية الفتاوى التي تصدر عنه. ومن المؤسف كذلك أن الاختلافات بين بعض الدول الإسلامية تنعكس سلباً على مواقف هذه الدول من الاجتهادات الفقهية التي تصدر عن هذا المجلس. وتحتاج دول العالم الإسلامي أيضاً إلى توحيد جهودها لتعطيل ما تقوم به القوى التي تمارس الإرهاب باسم الإسلام، سواء كان ذلك داخل هذه الدول أو خارجها. فالإرهاب والتطرف والغلو لم يسئ إلى دين كما أساء إلى الإسلام. والإسلام من ذلك براء كما قال الملك عبدالله. ثم إن دول العالم الإسلامي تحتاج إلى إيجاد استراتيجية فكرية تصاغ بلغة عصرية متآلفة مع الثوابت العقيدية الإسلامية لتخاطب بها المجتمعات العالمية المتعددة والمجتمعات الإسلامية التي تتأثر أو تعاني من التطرف باسم الدين. وكانت القمة الإسلامية التي عُقدت في ماليزيا قد أدركت أهمية هذا الأمر وضرورته وقررت تشكيل فريق من العلماء المسلمين لوضع هذه الاستراتيجية مع آلية تنفيذية لها يعتمدها الإعلام في الدول الإسلامية، وهو ما لم يحدث حتى الآن مع الأسف الشديد، على رغم مرور أكثر من خمس سنوات على هذا القرار. ففي بعض الإعلام الإسلامي المرئي (الفضائيات) من التضليل والتشويه ما يمعن في الإساءة إلى الإسلام، ومن ذلك مثلاً إطلالات البعض من يمارس ثقافة احتكار المعرفة والحقيقة ويمنح نفسه شرعية إطلاق أحكام عشوائية بالتكفير وبالتقتيل أو بالتحليل والتحريم.. وبدلاً من أن يكون هذا الإعلام رافعة للإسلام وحصناً فكرياً له، بات في جزء منه عبئاً ووباءً عليه. من أجل ذلك فإن الجامعات الإسلامية ومراكز البحث والمؤسسات الفقهية والدينية مدعوّة مع منظمة المؤتمر الإسلامي إلى العمل المشترك فكرياً وثقافياً وتربوياً لكبح جماح التطرف والغلو والعنف الذي بات يشكل المصدر الأساس للاساءة إلى الإسلام وأهله بصورة مباشرة وغير مباشرة. فالإسلام مظلوم ببعض أهله أو بقلة صغيرة من أهله، وقد حان الوقت للعمل الإسلامي المشترك من أجل رفع هذا الظلم.