في معرض التعليق على جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، قال أحد قادة الكيان الصهيوني إنها إشارة إلى أن "موسم الصيد قد بدأ". وتنطوي هذه العبارة على صورة مجازية لها دلالتها التي تستحق التحليل. فهي تعبير متبلور عن الإدراك الصهيوني للذات وللآخر. أما الآخر، أي الفلسطينيين العرب، فهم في التصور الصهيوني، مجرد كائنات طبيعية، حيوانات تجري في أرض بلا شعب. وفي المقابل، يوجد المستوطنون الصهاينة، الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم الرواد الصيادين (الذين لا يحملون أية أعباء أخلاقية، أي أنهم مخلوقات داروينية كاملة)، حيث أتوا إلى هذه الأرض وزعموا أن لهم فيها حقوقاً مطلقة، بما في ذلك اصطياد "الحيوانات الوحشية" التي تجري فيها والتي وُجدت فيها بالصدفة لآلاف السنين(!) إلا أن هذه الرؤية اصطدمت بمعضلة لا مناص من التصدي لها، وهي أن عدد "الحيوانات الوحشية" آخذ في التزايد، وأداءها يزداد دقة وإبداعاً، كما أنها متمسكة بالبقاء على هذه الأرض، فما السبيل إلى إيقاف هذا؟ يتمثل "الحل" الصهيوني في اصطياد القيادات حتى تجري الحيوانات بلا اتجاه وربما تتقاتل فيما بينها.
هذه هي الصورة الإدراكية التي تسيطر على العقل الصهيوني منذ بداية الاستيطان. وكان الصهاينة يحرصون على إخفائها أحياناً، أو يعرضونها بصورة مهذبة ومصقولة في أحيان أخرى، ولكنها نادراً ما كانت تفصح عن نفسها صراحةً، فقد كان كل من يقدم على التعبير عنها بلا مواربة يُصنف باعتباره متطرفاً أو معتوهاً أو يمينياً، ولا يمثل "التيار الصهيوني الأساسي المعتدل". أما الآن، فقد أفصحت الخريطة الإدراكية الصهيونية عن نفسها تماماً، ولم يعد من يتفوه بها يُحسب ضمن المعتوهين المتطرفين اليمينيين، فهم متحدثون باسم المؤسسة الحاكمة ويعبرون عن "العقيدة" التي توافق عليها أغلبية ما يُسمى "الشعب الإسرائيلي"، أي المستوطنين الصهاينة.
ويبدو أن الصهاينة قد وقعوا صرعى خريطتهم الإدراكية وصورتها المجازية المتوحشة التي بسَّطت الواقع لهم وحولته إلى عنصرين اثنين: صياد ماهر، وفريسة سهلة؛ صياد يتحرك بشراسة ليصطاد فريسة ضائعة تجري دون هدف واضح إلى أن يرديها الصياد صريعة برصاصه. والآن لننظر إلى ما حدث في الواقع. لقد فرضت عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين نفسها على مباحثات وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، فوصفها وزير خارجية فرنسا بأنها عملية خطيرة ستؤدي إلى تصعيد العنف والإرهاب في المنطقة. وقد حاول جاك سترو وزير خارجية بريطانيا في البداية الضغط على نظرائه لتهميش القضية ولكنه لم يفلح، فأدلى بتصريح جاء فيه أن الحادث الذي قامت به إسرائيل إنما يخرج عن نطاق القانون الدولي، مؤكداً عدم وجود مبررات وراء الحادث. وتوالت تصريحات الوزراء بعد ذلك في الاتجاه نفسه.
وكانت استجابة الإعلام الغربي لاغتيال الشيخ أحمد ياسين أكثر وضوحاً. فقد أدانت الصحف البريطانية العملية ووصفتها صحيفة "الإندبندنت" بأنها تصعيد متعمد للعنف من جانب إسرائيل. وأكدت الصحيفة أن الطريق إلى السلام أُغلق نهائياً بعد أن أثبتت إسرائيل أنها لا تعترف بالمفاوضات وتتصرف بطريقة أحادية، بحيث أصبحت "خريطة الطريق" بلا معنى. كما أضافت أن قرار اغتيال الشيخ ياسين فتح الباب على مصراعيه لإسالة مزيد من الدماء. وأشارت الصحيفة إلى ما لم يدركه شارون ومستشاروه، وهو أن عملية الاغتيال لم تُضعف حركة "حماس" وغيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية، بل ستضاعف من قوتها. وقد وافقت صحيفة "نيويورك تايمز" على تحليل "الإندبندنت" إذ قالت إن عملية الاغتيال ستدفع حركة حماس لمضاعفة جهودها بإرسال مقاتليها إلى إسرائيل لتنفيذ عمليات مقاومة، ولن تجد السلطة الفلسطينية مجالاً لكبح جماح حركات المقاومة والوصول إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين الجانبين فيما يُعرف بالهدنة المؤقتة.
والصحف الغربية محقة تماماً في تقييمها للموقف. فالفريسة الفلسطينية ليست لقمةً سائغةً، كما يتصور الصهاينة، بل هي كيان نبيل يؤمن بقيم مثالية لم يسمع بها الصياد الصهيوني من قبل، مثل الشرف والوطن والأرض والكرامة. كما أن طبيعة المقاومة الفلسطينية تضمن لها الاستمرار رغم كل ما يلحق بها من خسائر وضربات: فالمقاومة الفلسطينية نجحت في تحريك الكتلة البشرية الفلسطينية بأسرها ضد الكتلة البشرية الصهيونية الوافدة. وقد نتج عن هذا أن أصبحت الانتفاضة تختلف عن حركات المقاومة الأخرى التي تتسم بالتنظيم الصارم. ففي تلك الحركات يكون المركز قوياً والأطراف ضعيفة. ويقوم التنظيم على الطابع الهرمي، فإذا أصاب المركز أي خلل تبعثرت الأطراف وتحول الهرم المدبب إلى شيء مسطح لا قوام له.
أما في حالة المقاومة الفلسطينية، فإن المركز ليس بالضرورة أقوى من الأطراف، ولا يأخذ التنظيم الشكل الهرمي، ولا وجود لقيادة تمسك بيدها كل الأمور بمعزل عن الجماهير. فالقيادة تسير مع الجماهير جنباً إلى جنب، كما هو الحال في المجتمعات التقليدية التي لا تعطي أهمية مطلقة للنخبة أو الدولة، إذ تتم الإدارة من خلال