حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي كانت معظم بلدان العالم، بما في ذلك البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تأخذ بشكل أو بآخر بنظرية "جون كينز" الخاصة بأهمية دور الدولة في الاقتصاد. ومع وصول البارونة مارغريت تاتشر لرئاسة الوزارة في بريطانيا في عام 1979 تبنت نظرية الحرية المطلقة للأسواق، مع منح الشركات الكبيرة دوراً مهيمناً في إدارة الاقتصاد، على أن يقتصر دور الدولة على التنظيم العام. وقد كان ذلك تحولاً جذرياً في الإدارة الاقتصادية أدى في نهاية المطاف إلى خصخصة أهم القطاعات الرئيسية، وخصوصاً بعد أن انضم الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إلى نظرية تاتشر. وفي عام 1984 تسنى لنا الاطلاع عن قرب على هذا التحول في الاقتصاد البريطاني، وذلك أثناء دورة دراسية في العاصمة لندن، فقد كان إضراب عمال المناجم الذي استمر 4 أشهر عملية كسر عظم بين تاتشر والاتحادات المهنية التي كانت تطالب بعدم إغلاق مناجم الفحم وإنهاء ملكية الدولة لها. ولكنَّ البارونة انتصرت في نهاية الأشهر الاربعة، على رغم حملة الدعم التي تلقاها المضربون، وحملات التبرع، وكافة أنواع المساعدات التي وصلت إليهم محملة في شاحنات عبر شوارع بريطانيا. منذ ذلك الوقت حدث التحول الكبير الذي سعت إليه تاتشر فتضخمت أعمال الشركات الكبيرة، وأصبحت دولة داخل الدولة، إلى أن تحولت إلى مؤسسات مستهترة بالأنظمة والتشريعات الاقتصادية، وتهمِّش دور الدولة الاقتصادي، وأصبحت كافة القضايا تخضع لعوامل السوق المطلقة دون رقابة أو ضوابط، وأصبح المديرون التنفيذيون هم أصحاب الكلمة العليا في إدارة الاقتصاد. وحتى بعد استقالة تاتشر من رئاسة الوزراء لم يحاول أحد تصحيح المسار، وخصوصاً أن إدارة "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة تبنت هذا النهج، واستمرت فيه إلى حين انفجار الأزمة الحالية، حيث تحاول إدراة بوش في أيامها الأخيرة إعادة الاعتبار لدور الدولة في الاقتصاد لوقف الانهيار المالي ليس في الولايات المتحدة وحدها، وإنما في العالم. ولحسن الحظ لم تتبنَّ معظم بلدان العالم الفاعلة اقتصادياً النهج التاتشري، وبالأخص البلدان الإسكندنافية وألمانيا وفرنسا ودول مجلس التعاون الخليجي والصين والهند، ما جعلها أقل تأثراً بالأزمة الحالية، التي تخنق الاقتصادين الأميركي والبريطاني أكثر من غيرهما، وذلك ما دعا وزير الخارجية الألماني إلى تسمية الأزمة الحالية، بأنها "أزمة أنجلوسكسونية"، أما وزير المالية الألماني، فقد أشار إلى أن الأزمة المالية الراهنة ستغير وجه العالم. وبالإضافة إلى ما ذكرناه في مقالة الأسبوع الماضي من تغيرات ستطال العلاقات الاقتصادية الدولية، فإن هذه الأزمة ستعني فيما تعنيه سقوط نظرية البارونة، التي جاءت إلى الاقتصاد من كلية الكيمياء متناسية أن التفاعلات والمعادلات الكيميائية تختلف تماماً عن التفاعلات والمعادلات الاقتصادية التي تتجاوز المختبرات والمعامل لتشمل المجتمع بأكمله، مع كل ما يترتب عليها من تفاعلات اجتماعية وإنسانية كبيرة. والحال أن التناسب بين دور القطاعين العام والخاص أمر مطلوب وضروري للإدارة الاقتصادية الناجحة، فلكل منهما دور ومهام مكملة للآخر، وذلك إلى جانب الدور التنظيمي للدولة، الذي يسمح لها بالرقابة والتدخل في الوقت المناسب، مع امتلاكها لأدوات التحكم التي تتيح لها وقف التجاوزات وتقديم الدعم أثناء الصعوبات الدورية التي تمر بها المؤسسات التي تشكل أهم مكونات الاقتصادات الحديثة. وللتذكير فإن البارونة اضطرت للاستقالة في نهاية المطاف تحت ضغط حزبها الذي خسر لاحقاً الانتخابات في ظل تلميذها جون ميجر، أما رونالد ريغان، فقد أصيب بالزهايمر، ولم يعد يعرف أنه كان رئيسا لأقوى دولة في العالم، مستفسراً من زوجته أثناء سيره في الشارع العام عن كل هذا الترحيب به من الناس، هل كل هؤلاء الناس يعرفونني؟ وفي المحصلة فإن الإجراءات التي تتخذ الآن والخاصة باستخدام أدوات الدولة لوقف التدهور المالي في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من البلدان هي عودة لنظرية "كينز"، إلا أن هذه العودة ستصاحبها تحولات جذرية على مستوى العلاقات الاقتصادية العالمية، أو كما أشار بصورة صحيحة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فإن هذه الأزمة وضعت نهاية لاقتصاد السوق بحريته المُطلقة.