بعد تجربتيْ دولة الكويت ومملكة البحرين الديمقراطيتين، بما في ذلك المجالس المُنتخبة مباشرة، وتلك التي تُعيّن الحكومة فيها مجموعة تضمن ولاءَها لها. وبعد ثراء تجربة الكويت الزمنية وإرهاصات تجربة البحرين، وجدنا أننا أفضل حالاً في الماضي بدون مثل هذه التجارب. وأن صيغة التوافق -التي درجَ عليها مجتمعُ الخليج في التعامل مع الحكومة- كانت أكثر إنسيابية وإنتاجية من "وجع الدماغ" الذي جاءت به الديمقراطية العرجاء في المنطقة، والتي يدور حولها كلام كثير، لكن "الطحن" قليل؛ بل ومفاهيم المجتمع تعود القهقرى! فنحن عاصرنا -من دولة الكويت- كلاماً يتكرر حول حلّ مجلس الأمة أكثر من مرة في الماضي! بل إن الديمقراطية هناك لم تضمن عدمَ استئثار بعض الوزراء بمناصبهم وشيوع "انفلاتات" إدارية هنا أو هناك في بعض الوزارات المهمة، ما حدا بنواب مجلس الأمة لطلب استجوابات الوزراء وطرح الثقة فيهم في المجلس السابق. كما لوّحت بيارقُ الديمقراطية في مملكة البحرين بتكبيل حياة المجتمع، وسيطرة مجموعة من الأفراد على المجلس النيابي للعودة بالبلاد إلى ما قبل عصور الانفتاح والتحضّر، وطمس جميع مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفنية. بل وظهور النزعات الطائفية بشكل واضح أكثر مما كانت عليه أيام "عدم" الديمقراطية! وهنالك إشكالية كبرى في تعاطي دول الخليج مع هذا المفهوم الزئبقي الذي هو (الديمقراطية)! وتتمثل هذه الإشكالية في عدم رضا فئات كبيرة من المجتمع عن نتائح وأطروحات هذه الديمقراطية. والمثال البحريني واضح. وأقصد بالرضا هنا إجماع غالبية ممثلي الشعب على نمط حياتي معين، كما حصل إبّان الهجوم غير الحصيف على "ربيع الثقافة". إذ لم يحصل في تاريخ البحرين أن قامت جماعة ضد الثقافة! أو ضد الرموز والملامح الثقافية في البلاد. ولقد عُرفت البحرين بأنها مركز احتضان التيارات الفكرية الأدبية والفنية، ومنها ظهرت فنون شعبية عديدة أثرَتْ الحياة الفنية في الخليج. ولم يكن رجل الدين قبل مئة عام مثلاً يتعرّض لرَجل الفن. وكانت الأصوات الشعبية تسمعُ في الأحياء على مقربة من المساجد، ولم يخرج من رجال الدين من استهجن ذاك العمل! ناهيك عن عمل الفنادق واشتراطات السياحة التي تجلب للبلاد دخلاً جيداً، وتؤمِّن لمئات العاطلين عن العمل من الشباب فرصاً يقتاتون منها! وإذا كنا نؤمن بالديمقراطية فعلينا القبول بما تجمِعُ عليه الأغلبية في المجلس النيابي، حتى وإن كان ذاك الإجماع ضد مصلحة البلاد! ثم مَن يُحدد مصلحة البلاد، وكيف؟! وعلى اتصال بالموضوع، ماذا عن الفئات الليبرالية المستنيرة التي تقف ضد التيارات "المُكبّلة" لعجلة التطور؟ وتؤيدُ استمرار انفتاح البلاد وزيادة فرص الاستثمارات فيها، وفتح المجال للشباب للعمل! ماذا عن هذه الفئة التي لم تصل إلى أن تكون الغالبية في البرلمان؟ هل يُمكن إسكاتها -وهي على حق- لأن الديمقراطية تقول ذلك؟ والحال أن مثال مملكة البحرين يمكن أن يتكررَ في أكثر من بلد خليجي. فلئن تشكّلَ مجلسُ أمة أو شورى في بلد خليجي، وكانت غالبيته من أبناء الفئات التي قد ترى إغلاقَ البلاد أمام الاستثمارات والأشخاص، ووقف المعاهدات الاقتصادية العملاقة مع الشركات الغربية، ومقاطعة الولايات المتحدة والغرب، وإغلاقَ المعاهد والجامعات الأجنبية، وإلغاءَ التعامل باللغة الإنجليزية في مرافق البلاد، وإعادة َصرف "الشرهات" على أساس قبليّ بَحت! فهل يقبل المجتمعُ والحكومة بمثل هذا التوجّه، وهو أيضاً نتاجُ الديمقراطية؟! هل يجبُ الاعتراض على قرارات كهذه إن أقرتها الأغلبية في المجلس؟! وماذا عن الفئات "المظلومة" جرّاء ذلك الإجراء؟! ماذا لو وقفَ النوابُ في وجه حكومة ما مُطالبين بفتح ملفات حقوق الإنسان، أو الصرف غير المُقنن لبعض الأفراد أو الفعاليات، أو المخصصات التي تُقتطع من ميزانية الدولة؛ أو الهبات التي تُمنح لدول أفريقية وآسيوية لا "تهش ولا تنش"! ماذا لو أقرّ المجلس بالأغلبية الانسحابَ من عضوية بعض المنظمات الإقليمية كمجلس التعاون أو الجامعة العربية؟! هل فعلاً ستتجاوب الحكومة، أية حكومة، مع هذه الأطروحات؟ على رغم أنها ديمقراطية من حيث المنظور القانوني! هل تلجأ الحكومة إلى حلّ المجلس والدعوة إلى انتخابات جديدة؟! وهل هذا التوجه من ملامح الديمقراطية الحقة؟ ماذا عن الدساتير التي تمنحُ الحاكمَ سلطاتٍ أعلى من سلطات المجلس النيابي؟ هل يستطيع المجلس، المنتخب ديمقراطياً، أن يُطالب بتحديد تلك السلطات؟! وبعد، هل فعلًا نحن نعيشُ الوقت الملائم للديمقراطية؟ نعتقد أن العَقد التوافقي الذي جرى العملُ به في دول الخليج منذ نشأتها أفضل بكثير من "دعاوى" الديمقراطية التي لا يمكن وصفها إلا بأنها "عرجاء" في دول المنطقة. ذلك أن الديمقراطية حزمة Package لا يُمكن تجزئتها. فإذا كانت الديمقراطية تؤيد وتؤكد مبادئ حقوق الإنسان، ويأتي القانون أو الدستور ليُعارض تلك المبادئ، فأين الديمقراطية؟! وإذا كانت الديمقراطية تؤكدُ سواسية البشر أمام القانون، ويأتي القانون ليُفرق بين البشر ويمنح بعض المواطنين حقوقاً يُحرّمها على آخرين، فأين الديمقراطية؟! إننا ندعو إلى قراءة متأنية في دساتير وقوانين المنطقة ومذكراتها التفسيرية، وحتماً ستوضح تلك القراءة أن بعضَ هذه الدساتير أو القوانين بعيدٌ جداً عن الأسُس والاشتراطات الموضوعية والقانونية للديمقراطية. وكما قلنا سابقاً؛ فإن تجزئة مفاهيم ودلالات الديمقراطية (حسب الأقاليم ونوعية الأنظمة الحاكمة) نوع من (الهَرطقة) السياسية التي لن تصل بالمجتمع إلى ما ينشده من استقرار وحُكم رشيد. إن كثيرين في المنطقة ضد ديمقراطية تُلزمُ الإنسانَ بلبس لباس معين، أو إغلاق الفنادق وتسهيلاتها، أو منع الأغاني، أو إطلاق اللحى، أو منع تعليم الإنجليزية في المدارس، أو منع استيراد العطر الفرنسي النفاذ، أو إغلاق دور السينما، أو تصنيف المجتمع على أسُس طبقية، أو تفاضل في الجنسية، أو فرض رقابة على الرأي، أو منع الاختلاط. فكيف يمكن قبول هؤلاء في "الحزمة" الديمقراطية؟! نعتقد أن مجتمع الخليج ما زال بحاجة إلى "دورات تدريبية" لاستيعاب مداخل ومخارج الديمقراطية. وأن لغة التفاهم القائمة بين الحاكم والشعب في مستواها الأبوي (البطريركي) والشعبي أفضل بكثير من الشعارات الرنانة التي "تُصدّر" إلى الخارج. ولعل خيرَ بداية للشعوب التي ما زالت تنتظر "نعماء" الديمقراطية أنْ يتعززَ فيها دورُ مؤسسات المجتمع المدني، وأن تسمحَ الدول بفتح الجمعيات المهنية والاجتماعية والفنية كي "تتدرب" الحكومة على سماع رأي أصحاب هذه الجمعيات، كما "يتدربُ" الشعبُ على سماع آراء أعضائه في تلك الجمعيات. وبالتالي يتحقق المناخُ الأنسب للإقبال على الديمقراطية بفهم ٍمعقول، وبتوافق بين الطرفين.