وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2008 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية مؤخراً، احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الثاني عربياً بعد دولة قطر من حيث مستوى الشفافية مسجلة 5.9 نقطة، وهو الموقع نفسه الذي احتلته الدولة عربياً في مؤشر الفساد الصادر عن المنظمة العام الماضي 2007، لكن حدث تحسن في عدد النقاط، حيث سجلت الإمارات العام الماضي 5.7 نقطة. أهمية ذلك تنبع من اعتبارات عدة، أهمها أن هذا الموقع المتقدم لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى العربي يعكس حرصها على تحقيق الشفافية والالتزام بها، وذلك من منطلق إدراكها حقيقة أن هذه الشفافية تعد من أهم المفاتيح لعملية التنمية وجذب الاستثمارات، وتنمية الاقتصاد وتعميق الثقة به من قبل المستثمرين على الساحتين المحلية والدولية. في هذا الإطار يمكن فهم الخطوات الأخيرة التي تم اتخاذها في مواجهة بعض مظاهر الانحراف التي حدثت في بعض المؤسسات خلال الفترة الماضية، حيث كان من اللافت التحرك القوي في مواجهتها والكشف عنها وعن أبعادها من قبل السلطات المعنية، وذلك من منطلقيْـن: المنطلق الأول هو ثقة الدولة بنفسها وباقتصادها، حيث إنها ليست بحاجة إلى إخفاء أي شيء، أو التستر على أي مظهر من مظاهر الفساد أو الانحراف، خاصة أن مثل هذه المظاهر موجودة في كل العالم، لكن المهم هو كيفية التعامل معها ومعالجتها، وهذا وجّه رسالة على درجة كبيرة من الإيجابية إلى الخارج، وزاد من مصداقية الإمارات واقتصادها. المنطلق الثاني هو إيمانها بأهمية الشفافية في عصر الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة، وأن الكشف عن قضايا الانحراف والتصدي لها يأتيان بمردود إيجابي، وليس العكس. من منطلق الثقة الكبيرة التي تحظى بها منظمة الشفافية الدولية على المستوى العالمي، فإن تقاريرها ومؤشرات مدركات الفساد السنوية التي تصدرها تحظى بأهمية كبيرة على الساحة الاقتصادية الدولية، ويتم الاستناد إليها من قبل المستثمرين ومؤسسات الأعمال المختلفة لتحديد توجهاتهم الاستثمارية وأماكن عملهم حول العالم، ويعتمد عليها الخبراء والمتخصصون في تقييماتهم اقتصادات الدول المختلفة، ولذلك فإن احتلال دولة الإمارات العربية المرتبة الثانية عربياً، من حيث الشفافية، على مؤشر مدركات الفساد لعام 2008، من شأنه أن يدعم بيئة الأعمال فيها، وينقل صورة إيجابية عن اقتصادها إلى العالم، ويدعم طموحاتها الاقتصادية، ويعزز من نموذجها التنموي باعتباره نموذجاً رائداً على المستوى الإقليمي. لكن رغم أن دولة الإمارات قد جاءت في هذا الموقع المتقدم عربياً في مؤشر الشفافية العالمي 2008، فإن هذا الموقع ينبغي ألا ينسينا أنه يمثل تراجعاً عن موقع الدولة السابق، حيث احتلت المرتبة الأولى عربياً في عام 2006، متقدمة على كل الدول العربية على المؤشر، مما يستوجب البحث في معالجة أي أوجه قصور إداري أسهمت في هذا التراجع النسبي، إضافة إلى ذلك، فإنه في مقابل الترتيب المتقدم عربياً في مجال الشفافية، فإن الطموح أن تتقدم الدولة خطوات كبيرة إلى الأمام، بحيث تحتل ترتيباً متقدماً على المستوى الدولي، وليس على المستوى العربي فقط، خاصة في ظل نهجها الذي يتسم بالشفافية في التعامل مع قضية الفساد، وحرصها الكبير على التصدي لأي انحراف مهما كان مرتكبه، فضلاً عما يشهده الاقتصاد الوطني من طفرات متوالية وما نصبو إليه جميعاً من نجاحات وقفزات في السباق التنموي العالمي، علماً بأن الأمر يتجاوز كونه حلماً طموحاً، لأن الإمارات باتت تمتلك فعلياً من المؤهلات والإمكانات ما يؤهلها لتحقيق إنجازات نوعية على الصّعد كافة. ــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.