أشادت الخارجية الأميركية عبر تقريرها السنوي عن الحرية الدينية في العالم، بسياسة الإمارات في التسامح مع مختلف الأديان، ولم يذكر التقرير أي إساءات أو تمييز في المجتمع الإماراتي بسبب اعتقادات أو ممارسات دينية. التقرير الذي صدر من أهم دولة في العالم كان يستحق أن يجد له مكاناً على الصفحة الأولى وليس دسّه في الصفحات الداخلية كما فعلت بعض الصحف المحلية، كأن الإشادة من أميركا عيب، وكأننا في غنى عن صداقة أميركا التي يتودد إليها حتى من تعتبرهم هي أعداء لها، والتي ينفجر العالم ضاحكاً إذا هي ابتسمت. يؤكد التقرير ما هو أكيد ومعروف عن تسامح أهل الإمارات، وما هو منصوص عليه في دستور الدولة، ومستمد بطبيعة الحال من روح الإسلام ومقاصد الشرع، وما هو متوارث جيلاً بعد جيل ومنذ زمن كان التسامح فيه موجوداً فقط في بطون كتب بعض الفلاسفة والمصلحين على أرفف مكتبات العالم. لم يقتصر تسامح أهل الإمارات مع أتباع الديانات الأخرى، فهم متسامحون بطبيعة الحال مع أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة، ومع أبناء الأعراق الأخرى، لذلك كانت أرض الإمارات مقصداً للآلاف من شعوب المناطق المجاورة منذ قرن وأكثر، جاء الكثير منهم إلى هذا الجزء المتسامح من العالم بسبب الاضطهاد أو التمييز الديني أو المذهبي في مناطقهم. ولولا تمسك الإمارات بتاريخها مع التسامح لما كان اليوم على أرضها رعايا 202 جنسية بشكل لا نظير له حتى في الهيئة الأممية التي لا تعترف إلا بــ192 دولة. لكن الخوف أن يقترب دخان التعصّب من أجواء الإمارات المتسامحة، نتيجة الانفتاح على، أو القرب من، مدارس متشددة ظهرت لأسباب سياسية في مجتمعات تختلف في طبيعتها وظروفها عن مجتمع الإمارات، لا يرى أصحابها أبعد من أنوفهم، وإذا رأوا بعيداً تذكّروا الصليبيين قبل سبعة قرون وهم يدكون حصون المسلمين بالمنجنيق، فينكبون على الكتب القديمة يستخرجون منها فتاوى لبشر مثلهم لم يُوح إليهم، ثم يجددونها ويختمونها بـ"صالح لكل زمان ومكان" ويمررونها عبر الحدود، وليس هناك أحد في الطريق يجرؤ على مقارعتها الحجة بالحجة. لذلك إذا لوحظ أي تبرّم من التسامح الديني في الإمارات، خصوصاً فيما يتعلق ببناء دور العبادة لغير المسلمين، فهو بتأثير تلك المدارس التي تحرّم بناء تلك الدور بسبب تصنيف ليس من الله ولا من رسوله ولا وجود له اليوم هو دار الإسلام ودار الكفر، والذي ظهر على أيدي فقهاء مرحلة ما ولظروف أمنية وفي زمن لم يكن فيه حقوق إنسان ولا مواثيق دولية، ولم يكن العالم قرية صغيرة تتلاقى فيها مصالح المسلمين مع غير المسلمين، وقد تتقاطع مصالح المسلمين بعضهم ببعض، كأنهم لم يروا الآيات التي تعترف بأتباع الديانات الأخرى وتأمر ببرّهم، ولم يسمعوا عن مبدأ المعاملة بالمثل، خصوصاً أنهم يتوقون إلى تحول أوروبا إلى قارة إسلامية بعد عشرين سنة! تقرير الخارجية الأميركية يؤكد ما هو مؤكد، وعلينا المحافظة على هذا التاريخ الطويل والناصع من التسامح، وقطع الطريق أمام من يرتدون جلباب الدين ويحاولون تصدير تعصّبهم وخنق التسامح باسم الإسلام.