قام مسؤولو الصحة العامة في المدن الاستوائية، في سياق الحرب على الملاريا، بتجفيف المستنقعات ورش المبيدات الحشرية القاتلة للبعوض، كما قاموا بتوزيع الأدوية في محاولة لتقليص عدد ضحايا هذا المرض الخطير الذي يحصد أرواح الكثيرين من البشر كل عام. ومن المعلوم أن مرض الملاريا، الذي يعني اسمه حرفياً "الهواء الفاسد"، واحد من أشد الأمراض الاستوائية من حيث الخطورة والانتشار، وهو مرض تسبّبه طفيليات وحيدة الخلية تنتقل إلى الإنسان عن طريق نوع من البعوض معروف باسم أنوفيليس الذي يتغذى على الدم البشري. وتتسبب الملاريا كل عام في وفاة أكثر من مليون شخص بالإضافة إلى وجود أكثر من 300 إلى 500 مليون حالة إصابة، تقع معظمها في البلاد الفقيرة.
ويتعرض أكثر من 41% من سكان العالم لخطر الإصابة بالملاريا، وتزداد النسبة سنويًا بسبب تدهور الأنظمة الصحية وازدياد المقاومة ضد المبيدات الحشرية وبسبب الحرب وتغيير المناخ. أما المجموعات الأكثر تعرضاً للخطر فهي الأطفال والنساء الحوامل والمسافرون واللاجئون والأشخاص المعدمون والعمال في المناطق الموبوءة.
وتنتشر الملاريا في 105 ما بين دولة ومنطقة: منها 45 دولة في المنطقة الإفريقية، و21 دولة في منطقة الأميركتين و6 دول في المنطقة الأوروبية و14 دولة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ، و9 دول في منطقة جنوب شرق آسيا و10 دول في منطقة غرب المحيط الهادي. وتحدث 90% من حالات الوفاة بالملاريا في شبه الصحراء الأفريقية، حيث يبلغ معدّل الإصابة نحو 3.000 حالة يومياً معظمهم من الأطفال.
ويدأب الباحثون الآن في التفتيش عن وسائل وطرق مؤدية إلى تجنيد حشرة البعوض الطّنانة نفسها في حرب مكافحة الملاريا. ولذلك يقومون الآن بإجراء تجارب للتحقق من إمكانية تغيير جينات هذا المخلوق الصغير أو السيطرة عليه بطرق تكفل القضاء على طفيليات الملاريا التي يحملها قبل أن تنتقل إلى البشر. ويقول الباحثون إنه تم تحقيق خطوة مهمة وذات شأن في هذا المسار على يد فريق من العلماء في أوروبا، حيث اكتشفوا أن في جسم البعوضة ثلاثة جينات يبدو أنها تتولى المسؤولية عن كيفية استجابة –أو عدم استجابة الجهاز المناعي في جسم البعوضة لتواجد طفيليات الملاريا في جسمها.
ويقول الباحثون إن الاكتشاف المذكور، الذي وردت أنباء عنه يوم 26 مارس الماضي، يفتح الباب إلى إمكانية تصميم مواد كيميائية قادرة على منع هذه الجينات من حماية الطفيليات. ويقول جورج كريستوفايدس، وهو عالم لدى المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية في مدينة هايدلبرغ الألمانية وعضو فريق البحث المذكور، إن الاكتشاف يمثل طريقاً واعدة إلى الحد من تفشّي مرض الملاريا.
ويقول مارسيلو جاكوبس لورينا، وهو متخصص في الأمراض المُعدية لدى مدرسة بلومبرغ للصحة العامة والتابعة لجامعة جونز هوبكنز، إن طفيلي الملاريا يتحول بعد تطوره إلى كائن حي أجنبي يستوطن في داخل جسم البعوضة. لكن هناك، حسب قول لورينا، دلائل قليلة تشير إلى أسلوب هذا الطفيلي في الدفاع عن نفسه ضد الجهاز المناعي للبعوضة، وهو ما يشكّل في رأي لورينا خطوة مهمّة إلى الأمام في سياق فهم هذه العلاقة. وقد تزامن بروز التأكيد على أهمية الهندسة الحيوية في مجال مكافحة الملاريا، مع زعم بعض الباحثين أن الحشرات، وما تحمله من الطفيليات، باتت بمجملها تكتسب مقاومة أكبر للعقاقير والمبيدات الحشرية.
وإضافة إلى ذلك، يتم استخدام المبيدات الحشرية، التي تتمتع بمفعول قوي في أكثر الأحيان، على نحو خاطئ. ويقول بعض المختصين إن ترك هذه العوامل دون تدخّل يعني أن من الممكن لها في السنوات العشرين القادمة أن تؤدي إلى تضاعف الحصيلة السنوية لوفيات الملاريا التي تتراوح اليوم ما بين 1 إلى 3 ملايين وفاة.
ويقول العلماء إنهم نجحوا في إزالة عقبة كبيرة كانت تعترض طريقهم إلى الاستعانة بالهندسة الوراثية في معركتهم ضد الملاريا في عام 2002، حيث قامت فرق الباحثين بنشر السلاسل الجينية الكاملة الخاصة بالبعوضة والطفيلي. وحتى قبل نشر هذه الجينومات (وهي مجموعة الكروموسومات التي تحمل المعلومات الوراثية التي يرثها الكائن الحي عن الأبوين)، كان العلماء ماضين في استقصاء إمكانية استخدام الهندسة الوراثية لإحداث تغيير في سلوك جسم البعوضة بغية استخدامها في محاربة المرض ومكافحته.
وقد أفاد الباحثون لدى جامعة "كيس ويسترن ريزيرف" بأنهم قاموا بتطوير أول بعوضة مصممة حسب الطلب ولها تكوين وراثي تعرّض للتغيير بهدف القضاء على الطفيلي في داخل جسم حشرة البعوض وفي أثناء فترة حملها له. وعلى رغم ذلك، لم ينجح العامل الكيميائي الحيوي، الذي قامت المورّثة المعنية بتوليده، في القضاء على كل طفيليات الملاريا، وهو ما يوحي بأن الطفيليات ربما تطوّرت إلى درجة أنها استطاعت مقاومة العامل المذكور. وقد اعترف فريق الباحثين أيضاً بأن من الصعب معرفة الطرق الكفيلة بنشر المورّثة المعنية في تجمعات حشرات البعوض.
لكن فريق الباحثين لدى المختبر الأوروبي للبيولوج