من حق كل إنسان أن يحلم، بل لعل الأحلام هي الشيء الوحيد الذي تتحقق فيه الأمنيات. ولن نتدخل في تفسير الأحلام بالطريقة الفرويدية، لكن حين تنفصل الأحلام عن الواقع تتحول إلى هُراء لا معنى له. في يوم ما من التاريخ الأميركي المعاصر قال المناضل من أجل الحقوق المدنية للأميركيين السود، مارتن لوثر كنج: "لدي حلم". وقد اشتهرت هذه العبارة في الأدبيات الخاصة بالنضال من أجل الحريات وحقوق الإنسان، حيث استخدمها البعض في خطاباته السياسية، فمنهم من كان يُطلق هذه العبارة انطلاقاً من واقع قائم وإرادة شعبية صلبة، وقيم أصيلة إزاء وضع سيئ تُمتهن فيه كرامة الإنسان من قبل الآخرين. وفي الحالة الأميركية كان المضطهد (بكسر الهاء) هو الرجل الأميركي الأبيض. وقُيض لمارتن لوثر شعب مناضل بذل الغالي والنفيس من أجل نيل حرياته، ودفع ثمن ذلك موتاً وسجناً وأذى متواصلاً، إلى جانب رئيس دولة (جون كنيدي)، ومؤسسات مدنية ومناضلين بيض، ساندوا هذا الحلم. وبتعاضد كل هذه العوامل تحقق الحلم الذي كان ينادي به مارتن لوثر، لكن بعد أن دفع حياته ثمناً لهذا الحلم. اليوم يخرج علينا الرئيس الباكستاني بحلم يرى فيه بلاده باكستان وقد اختفى منها الفقر والمرض والجريمة والعنف. وإذا كان من حق هذا الرئيس أن يحلم كبقية خلق الله، فإن من واجبه أن يضع الأسس التي يحتاجها مثل هذا الحلم ليتحول هذا الحلم إلى واقع، خاصة أنه بحكم منصبه قادر على التعرّف على هذه الأسس؛ لأنها أصبحت في باكستان مما هو معلوم بالضرورة عند كل باكستاني. ومن دراسة الواقع السياسي والاقتصادي والديني والاجتماعي في باكستان، يمكن القول بيقين قاطع إن حلم السيد الرئيس صعب التحقيق للغاية، لسبب بسيط، هو أن الشعب الباكستاني لا يريد ذلك. كيف؟ لو نظرنا إلى ما هو قائم في باكستان من حقائق قاطعة مثل: 1- أحزاب سياسية متناحرة، 2- أيديولوجية دينية متشددة، 3- اقتصاد متهالك يتمثل في خزانة مفلسة، 4- نمو سكاني عشوائي، 5- عنف سياسي واجتماعي، 6- دور استخباراتي يتناقض مع مفهوم الدولة الديمقراطية، 7- ضعف الإنتاج الزراعي، 8- أوضاع اجتماعية متدهورة، 9- مشاكل حدودية مع أفغانستان، 10- غياب دور الدولة في منطقة القبائل، 11- ضعف التشريعات القانونية الضائعة بين الأيديولوجيتين الدينية والغربية، 12- دستور قائم على مفهوم الدولة الدينية بدون واقع مادي، 13- رفض الشعب للديمقراطية الغربية. في ظل مثل هذه العوامل، يستحيل تحقيق حلم الرئيس الباكستاني؛ لأنه دون ذلك "خرط القتاد"، كما تقول العرب المستعربة. وأشك أن الشعب الباكستاني يعرف هذا المثل العربي، لكنه يعرف بالتأكيد سوء الوضع في باكستان. المأساة أن الشعب الباكستاني لا يعرف ماذا يريد بالضبط. ففي ظل هيمنة المجال الديني، تصبح الرؤية ضعيفة بل ومعدومة تماماً؛ لأن الانشغال بالدين في كل شيء، والإصرار على أيديولوجية دينية محددة، المفاهيم السنية المتشددة، في ظل تنوع فسيفسائي عرقي وديني وطبقي كما هو حاصل في باكستان، أمر يؤدي إلى هلاك الدولة. كل ما يحتاجه الرئيس الباكستاني لتحقيق حلمه أن يقوم بتحويل الأموال المخصصة للنشاط النووي إلى مجالات التنمية. كما أنه محتاج إلى إرساء قواعد نظام ديمقراطي، وأن يحدد هوية الدولة بالتخلي عن مفهوم الدولة الدينية الذي يطالب به الشعب.