على رأس الأقليات التي تلعب أصواتها دورا حاسما في الانتخابات المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية تبرز الأقلية اليهودية. ومع أن نسبة اليهود في الدولة العظمى الأميركيـة، بل الدولة العظمى الدولية، من الناحية العددية، لا تتجاوز (4%) من مجموع السكان أي حوالي (12) مليون نسمة، إلا أن نفوذهم وتأثيرهم في الحياة السياسية الأميركية لا سابق له في أية دولة أخرى، وقطعا يفوق بكثير نسبتهم إلى عدد السكان. وقد بلغ من نفوذ هذه الجالية أنه بات من المألوف تسابق جميع المرشحين للرئاسة الأميركية وغيرهم من الطامحين للوصول إلى أي منصب رسمي (كعضوية الكونغرس أو حاكم إحدى الولايات) لكسب ودهم والتزلف لهم بشتى الطرق. فويسلي كلارك مثلا، قبل أن ينسحب من ترشيح الحزب الديمقراطي له، قال إن أباه كان يهوديا. ولم تمض بضعة أيام حتى نافسه هوارد دين، المرشح الآخر من الحزب الديمقراطي بأن زوجته يهودية وبالتالي فإن أبناءه يعتبرون يهودا حسب الشريعة اليهودية. أما جون كيري، الذي يمثل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية القادمة، فقد اكتشف فجأة أن أحد أجداد أبيه كان يهوديا.
وهكذا نلاحظ أن البحث عن عرق يهودي، ولو بالانتساب من بعيد، أصبح تقليدا سائدا في السياسة الأميركية! ويعود السبب في ذلك إلى أهمية الصوت اليهودي سواء في انتخابات الرئيس الأميركي، أو أعضاء الكونغرس، أو حكام الولايات والبلديات وذلك لثراء هذه الأقلية الذي يفوق ثراء أية أقلية أخرى في الولايات المتحدة، وبالتالي تتجلى قدرتهم الكبيرة على تمويل الحملات الانتخابية لمختلف المرشحين. وبالإضافة إلى ذلك، تكمن أهمية الأقلية اليهودية أيضا في النسبة المئوية العالية من الناخبين المسجلين عندهم، وهي أعلى نسبة بين جميع الأقليات الأثنية أو الدينية/الطائفية في الولايات المتحدة. هذا وتتميز الأقلية اليهودية في ذلك البلد بنشاط سياسي واسع في الحياة السياسية الأميركية. وعلاوة على العوامل آنفة الذكر، يعود "التميز" المشار إليه إلى عدة عوامل لعل من أهمها طبيعة النظام الديمقراطي المنفتح إلى درجة كبيرة في الولايات المتحدة الذي منح جميع الأميركيين حقوقا متساوية وحرية كاملة (أحيانا نظرية) في ممارسة قناعتهم السياسية على عكس ما كان عليه الحال في معظم الدول الأوروبية التي مارست قيودا وتضييقات في جوانب مختلفة.
من الناحية التاريخية، كان الصوت اليهودي يذهب بغالبيته العظمى لصالح الحزب الجمهوري. فمنذ عام 1860 وإلى غاية انتخاب الرئيس الجمهوري ثيودور روزفلت كان الحزب الجمهوري يحظى بغالبية أصوات اليهود. ويعتبر الرئيس روزفلت آخر رئيس أميركي جمهوري يحظى بتأييد واسع من الأقلية اليهودية وذلك بسبب مواقفه المؤيدة لقضاياهم العديدة. وفي السياق ذاته، بدأت اتجاهات التصويت لدى أبناء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة بالانتقال التدريجي لصالح الحزب الديمقراطي منذ رئاسة الرئيس وودرو ويلسون. فقد كسب هذا الرئيس الديمقراطي تأييد تلك الجالية بسبب تأييده لوعد بلفور البريطاني (الذي أعطى ما لا يملك، حق من يملك، لطرف ثالث لا يملك!!).
كما أن من الأمور التي ساعدت ويلسون حقيقة قيامه بتعيين أحد اليهود عضوا في المحكمة العليا، وكذلك إدانته الواسعة لظاهرة معاداة السامية التي راجت في عدة دول أوروبية. وفيما بين الأعوام 1928- 1948، نـال كـل من الرئيسين الديمقراطيين فرانكلين روزفلت وهاري ترومان أكثر مـن (75%) من أصوات الناخبين اليهود. ولقد أظهرت عدة دراسات حول اتجاهات التصويت لدى الأقلية اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية أن ما نسبته (50%) من أصوات اليهود أخذت تذهب لصالح الحزب الديمقراطي (علما بأن حوالي 30% – 35% من الناخبين اليهود اعتبروا مستقلين) بينما لم يتمتع الحزب الجمهوري سوى بتأييد ما بيـن (13% – 17%). أما في انتخابات الكونغرس الأميركي فكان الصوت اليهودي يذهب بصورة تقليدية لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي. وقد وصلت نسبة التأييد اليهودي لمرشحي الحزب الديمقراطي لانتخاب الكونغرس في عام 1982 إلى حوالي (82%) بينما وصلت أعلـى نسبة حصل عليها مرشحو الحزب الجمهوري لانتخابات الكونغـرس إلى (32%) في انتخابات عام 1988.
ويعتبر الرئيس رونالد ريغان الرئيس الجمهوري الوحيد الذي كسر هذه القاعدة وفاز بحوالي (38%) من أصوات اليهود في عام 1980. وتقليديا، كان المرشحون الجمهوريون لانتخابات الرئاسة الأميركية لا يحصلون إلا على ما معدله (18%) فقط من أصوات اليهود. وفي انتخابات الرئاسة لعام 2000، حصل الرئيس جـورج بوش الابن على (19%) فقط من أصوات اليهود. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تبعها من إعلان "الحرب على الإرهاب"، والمواقف الموغلة في تأييدها لإسرائيل من قبل الإدارة الأميركية، واحتلال العراق، ومعاداة الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية بل للشعب الفلسطيني ولمعظم قواه الحية واعتبار غالبيتها "قوى إرهابية"، ارتفعت شعبية الرئيس بوش الابن لدى الأقلية اليهودية في الولايات المت