منذ فترة قريبة قد لا تتجاوز حتى العامين كان الجدل الخاص بموقف الإسلاميين من الديمقراطية يتعلق بمدى تقبلهم لتداول السلطة مع "غير الإسلاميين"، وبمدى قبولهم للتنوع الفكري والعقائدي، وكانت هناك بوادر جدل في صفوف الإسلاميين بين فريق يريد حصر التعددية في إطار ديني محدد، أي بين الأحزاب الإسلامية، ورفض التوجهات الأخرى سواء أكانت غير إسلامية بالفعل، مثل الفكر الماركسي، أو حتى التوجهات التي لا تتبنى الإسلام السياسي ولكنها قد تكون "مؤمنة" من مثل العلمانية والليبرالية وغيرهما، وبين فريق آخر يرضى بالخيار الديمقراطي، ويدعو للتسليم بتداول السلطة مع غير جماعات الإسلام السياسي. ولكن التطورات على الأرض تشير أنّ مسألة نقاش قبول التعددية عند الإسلاميين لم تصل بعد تلك المرحلة المتقدمة، وأنّ قبول التعددية بين الجماعات الإسلامية بعضها مع بعض لا زال أمراً بعيد المنال، فنحن إذا ما تحدثنا عن نماذج الحكم أو السلطة الإسلامية الراهنة، أمكن الحديث عن أربعة نماذج على الأقل، اثنان منها شيعيان هما العراق وإيران، واثنان سُنيان، هما السودان و"حماس" في غزة، ويتضح في هذه النماذج أنّ الإسلاميين لا يقبلون حتى "الإسلامي الآخر". في حالة إيران فإنّ النظام السياسي مصوغ لتحديد من يسمح له الترشح للانتخابات، حيث يحق لـ"مجلس تشخيص مصلحة النظام" الذي تحصر عضويته في عدد محدود من رجال الدين الذين لهم مؤهلات محددة، منع ترشيح أي أشخاص يعتقدون أنّهم لا يلتزمون بـ"القيم الإسلامية"، وعلى هذا الأساس تم منع ترشح 1700 شخص في انتخابات البرلمان في مارس الماضي، وبين هؤلاء العديد من الأعضاء السابقين في البرلمان، ممن سبق وأنّ حصلوا على "حسن السلوك الديني"، وعلى الثقة الشعبية، وبذلك أقصي جناح كبير من "الإسلاميين" في إيران. في الحالة العراقية تحتكم الأحزاب والقوى الشيعية الرئيسية الحاكمة والمعارضة وهي أحزاب مذهبية ودينية، للسلاح في تنافسها. وفي السودان فإن التحزب والانقلابات والاعتقالات هي جوهر العلاقة بين الإسلاميين الذين وصلوا للحكم في انقلاب عسكري، ومن ذلك اعتقال وسجن وملاحقة المنظِّر الديني والسياسي للانقلاب حسن الترابي. ومما يؤكد سقوط فكرة التعددية عند الإسلاميين، بما فيها "تعددية" الإسلاميين الداخلية، ما يحدث في قطاع "غزة" من توتر بين حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وآخر حلقات هذا التوتر ليست على علاقة بقضايا المقاومة والمواجهة مع إسرائيل، بل بقضايا داخلية؛ فحركة "حماس" رفضت، الأسبوع الماضي، أن تعطي حركة "الجهاد الإسلامي"، حق الاحتجاج والاعتصام ضد سياسات ومواقف كل من حركة "فتح" وحكومة سلام فياض في رام الله، من جهة، وسياسات "حماس" في غزة، من جهة ثانية، في موضوع إدارة القطاع التعليمي وفضت اعتصاماً لـ"الجهاد" بالقوة، ووصل الأمر حد المواجهات المسلحة بين الجانبين. كما استولت "حماس" على مساجد تابعة لـ"الجهاد"، ورفضت ترخيص جمعيات أهليّة أسستها "الجهاد"، وكل ذلك يدل على أنّ "حماس" لا تريد سماع سوى صوتها. ويذكِّر هذا السلوك بكثير من ممارسات الإسلاميين في الحياة اليومية، ومن الأمثلة الحديثة التي تستحق الذكر، إعلان مجموعة "مشايخ" هم: محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبو إسحاق الحويني قبل أشهر رفضهم الظهور على شاشة قناة تلفزيون "الناس" التي اشتهروا من خلالها، احتجاجاً على استضافة "الداعية" عمرو خالد، الذي يتبنى فكراً مختلفاً عنهم للظهور على شاشة التلفزيون، واحتجاجاً على بث برنامج لأحد مشايخ الصوفيّة. وحتى لا يتم إغفال بعض الحالات الإيجابية، يمكن الإشارة إلى الإسلاميين في تركيا، والتزامهم "حتى الآن" بالتعددية، مقابل خصومهم الذين لا يريدون التعددية، وإن كان السؤال هو: إلى أي مدى يعتبر الإسلاميون الآخرون، وخصوصا العرب، إسلاميي تركيا إسلاميين؟ وفي المحصلة فإنّ النماذج التي وصل فيها الإسلاميون للحكم أو السلطة في السنوات الأخيرة لا تطمئِن، وتشير إلى أنّ الإسلاميين كغيرهم من الأحزاب الثورية واليسارية والقومية التي وصلت إلى الحكم في العالم العربي لا يقبلون التعددية، ولا يسمعون الصوت الآخر، حتى إن كان إسلامياً، وهذا لا يعني فقط أنّ أي عملية تحول ديمقراطي بحاجة إلى كثير من الضوابط والمعايير حتى لا تكون "ديمقراطية لمرة واحدة"، ولكن أيضاً أنّ هناك مخاوف حقيقية على الحرية الشخصية وحرية التفكير والتعبير في ظل الأحزاب الإسلامية الراهنة. د. أحمد جميل عزم aj.azem@gmail.com