التزم الروس الصمت حيال المرحلة الأحدث من توسيع حلف الناتو نحو الشرق، حيث انضمت إلى الحلف مؤخراً سبع دول جديدة منها دول البلطيق المجاورة لروسيا. ويبقى في أذهاننا سؤال يقول: ما ضرورة وجود هذه المنظّمة في عالم اليوم، وهي التي أُنشئت لمواجهة الاتحاد السوفييتي وحلفائه في أوروبا الشرقية؟
وتتعاظم وطأة القلق بسبب أحداث الأعوام القليلة الماضية التي تشير إلى بحث الحلف عن تعزيز الأمن الدولي بالوسائل العسكرية. وحدثت الموجة الأولى من توسيع الناتو في 1999 بانضمام بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك، فأعقبت ذلك أزمة سياسية وعسكرية في يوغوسلافيا. وربما أن تزامن الحدثين كان من قبيل المصادفة، لكن الناتو تجرّأ على إطلاق صواريخ كروز على بلغراد، ثم دخل (بمساعدة من الروس) إلى كوسوفو. وبات واضحاً أن مشكلات المنطقة لم تنحل. فالعنف الأحدث في كوسوفو ومقدونيا أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى، وأُحرقت الكنائس ودُمّرت آلاف البيوت.
ويشعر الروس بالقلق أيضاً بسبب الحملة الأميركة ضد طالبان و"القاعدة" في أفغانستان، وهي التي أخفقت في تحقيق أهدافها على رغم نجاح إطلاقها- بدعم روسي. فها هي الجماعات الإرهابية تصعّد نشاطاتها، وأعضاء "القاعدة" يتسللون إلى الشرق الأوسط، وطالبان تحْيي إمكانياتها العسكرية. أما إخفاق القوات الباكستانية مؤخراً، في القبض على ما قيل إنه شخصية مهمة من"القاعدة"، فكان نكسة لها دلالاتها.
والعراق الآن تحتله أميركا وحلفاؤها، ومنهم بلدان انضمت حديثاً إلى الناتو. وصار العراق يجتذب الإرهابيين من شرق العالم العربي، وقُتل حتى الآن أكثر من 600 جندي أميركي و100 جندي من الناتو.
ولا تتخذ روسيا موقف المتفرج الذي ينظر بارتياح خبيث إلى إخفاقات أميركا والناتو. وعلى رغم الاختلافات بين روسيا والناتو، ما زلنا نريد التعاون مع الحلف لضمان الأمن العالمي. ولذلك تأسس مجلس روسيا-الناتو في قمة روما عام 2002، ليكون مجموعة استشارية تعطي روسيا صوتاً يعادل صوت الدول الأعضاء.
وآتى المجلس ثماره، فانخرطت روسيا في الكثير من البرامج المشتركة، بما في ذلك المساعي الموجهة ضد الإرهاب الدولي وانتشار أسلحة التدمير الشامل والصواريخ القادرة على حملها. وتتعاون روسيا مع الناتو لبناء منظومة دفاع صاروخي في أوروبا.
لكن روسيا تشعر بأن هناك ما هو أكثر من ذلك. فأولاً، نحن نرغب في أن تتلقى البرامج الموصوفة في قمة روما درجة أولوية أعلى. ولا يشتمل ذلك فقط على تطوير الدفاع الصاروخي الأوروبي، بل على خطط معنية بالتخلص من العتاد العسكري-بما فيه الألغام المضادة للأفراد- وتعبئة وصيانة الأسلحة السوفيتية الصنع المستخدمة حتى الآن لدى بعض أعضاء الناتو. وسيعود كل واحد من هذه المشروعات على كل الأطراف بالفائدة والمنفعة عسكرياً وسياسياً، واقتصادياً.
وفي أية حال، فإن إحراز التقدم على هذه الجبهات وغيرها يعني تسوية الاختلافات من خلال الحوار. لكن مناقشات كهذه تتعرض للخطر بسبب الاستعجال في توسيع الحلف. وهناك لدى القيادة السياسية والعسكرية الروسية سبب وجيه يبرّر شعورها بالقلق حيال ضم أستونيا ولاتفيا وليتوانيا إلى الحلف، ولا سيّما أن الحلف يقرّر إنشاء قواعد عسكرية كبيرة في هذه البلدان، وهو ما يعطي الحلف قدرة أكبر على رصد الأراضي الروسية. ولذلك لا يسعنا أن نتجاهل تحقيق قواعد الناتو الجوية اقتراباً أكثر إلى المدن والمنشآت الدفاعية الموجودة في الشطر الأوروبي من روسيا.
وتتعاظم مخاوفنا بسبب عدم حسم التعديلات التي نوقشت مطوّلاً لإدخالها على المعاهدة الخاصة بالقوات المسلحة التقليدية. ذلك أن هناك دولاً لم توقّع على المعاهدة، ومنها بعض دول البلطيق إضافة إلى سلوفينيا العضو الجديد في الحلف. وتمخض انضمام تلك الدول إلى الحلف عن وجود "منطقة رمادية" في النظام الأوروبي المعني بالحد من انتشار الأسلحة التقليدية، وهو ما يتيح للحلف نشر أية كمية من الأسلحة الثقيلة في تلك الدول. ويضاف إلى ذلك أن قيادة الناتو أو حكومات تلك الدول الأعضاء لا تبذل جهوداً كافية لتخفيف حدّة مخاوف روسيا.
ويشكل ذلك استخفافاً بالخطوات التي اتخذتها روسيا لتقليص وجودها العسكري في المنطقة، إذ لا توجد الآن وحدات هجومية في المناطق الروسية المجاورة لدول البلطيق.
إننا نشعر بالقلق أيضاً حيال الخطط الأميركية المعنية بإعادة تنظيم الجيش الأميركي في الخارج، بما في ذلك أوروبا. فأميركا تخطط لنقل قواعد في أوروبا الغربية إلى مواقع قريبة من الحدود الروسية. وتؤكّد لنا واشنطن أن الهدف توفير الأموال وتحسين قدرتها على مكافحة الإرهاب. لكن تلك الحجج لا تصمد تحت المعاينة الدقيقة، وإن أية مكاسب ستتضاءل بالمقارنة مع الخسارة الممكنة في العلاقات بين الناتو وروسيا.
وأعتقد أن شركاءنا سيبذلون، إذا فهموا مخاوفنا وقلقنا، قصارى جهدهم لتفادي تنفير روسيا أو الإضرار بمصالحها. ونحن نرحب بأية محادثات مع واشنطن حول أي من تلك المسائل. فالقلق لن يتحول إلى تفاهمٍ إلاّ إذا أ