منذ ظهور "الفيس بوك"، الذي استطاع أن يجتذب إليه آلاف البشر، والكثير من الأقاويل تتداول حوله، وتتهمه بأنه وسيلة إسرائيلية للتجسس على الشباب العربي، خاصة وأن الدخول والاشتراك في الموقع يتطلب معلومات كثيرة أساسية لقبول الاشتراك. والمثير للسخرية والضحك أن إسرائيل لم تقبض على أحد من المشاركين في "الفيس بوك"، ولم تنكل بالشباب الذين يلتقون من خلاله، إنما هي بعض الأنظمة العربية التي تمارس حكراً على الفكر، وعلى الحديث، وعلى كل ما يمت لأصحاب السلطة والقرار. فقد أغفل الخبر، الذي يُتهم فيه "الفيس بوك" بكونه مادة للتأثير على الشباب والتغرير به، الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة المحيطة بالشباب، وتناسى المعاناة التي تمر كل يوم على حياة هؤلاء الشباب، وأن لغة الرفض لكل هذه العتمة إنما هي محاولة لإنقاذ بقايا حياة شريفة تستشرف المستقبل وتنادي بحياة أكثر كرامة وعزة. وإنْ كان مثل هذه الأحاديث صحيحا، وأن إسرائيل تستثمر معلومات عن هؤلاء الشباب أو المشاركين في هذا الموقع لصالحها، فهذا ربما يعني أن إسرائيل تحمل من التقدير لهؤلاء الشباب أكثر مما فعلت دولهم. فكونها تتابع أخبارهم ونشاطاتهم وتبحث في كل ما يهمهم فهذا يعني أنها مدركة لأهميتهم، موقنة إن التغير قادم على أيدي هؤلاء الذين يسعون لتسجيل أحداث يوم عاصف بالكثير من التفاصيل علهم يصلون إلى بر أمان من حلول لأزمات بلا نهاية محددة. وهو الأمر الذي يعني أنه في كل الأحوال، فإن هناك إجحافاً يعانيه شباب الأمة وهناك تسلط وسطوة تمارسهما السلطة ضدهم وتزيد من التنكيل بحرية الحديث والتغير والدفاع عن حقوق الفرد. فكل يوم تأتي رياح الأخبار، بأن أحدهم ألقي عليه القبض لأنه مارس حقاً بسيطاً في التعبير عن ألمه وواقعه، وكأن هذا العالم لم يقفز نحو مسارات التكنولوجيا والحرية وحق الإنسان في أن يقول ما يريد، مادام لا مساس بأمن البلدان والشعوب. الأزمة التي تعانيها الأمة هي تحديداً قائمة على الافتقار إلى الصدر الرحب للإنصات وإلى تفهم ما يمكن أن يقوله الآخرون دون أية تفسيرات سيئة الظن والنوايا، فهذا الواقع الذي يمارس قهراً ضد الرأي ويمنعه من التحليق في سماوات حوار منصف لكل الأطراف، خلق تذمرا أعمق. وفوراً تستشعر بمجرد ما تلتقي بمثل هذه المواقع أن هناك غضباً يُعتمل في صدور الجميع والخشية كل الخشية من انفجار مفاجئ لم تحسب عواقبه في الوقت الذي كان بالإمكان تجنبه واحتوائه بشيء من الاحترام وحسن النوايا. فمن المؤسف أن تستمر إسرائيل كشماعة نتهمها بأنها لعنة التجسس والقلق في الوقت الذي نمارس فيها دوراً أشنع وأصعب مع بعضنا البعض وندعي أن إسرائيل هي عدونا الأول ونتجاهل أن عدونا منا والأحرى أن نواجهه ونستدرك أن القمع لغة بالية وأن الحل ليس في إغلاق "الفيس بوك" ومحاصرته، إنما بإطلاق الطيور إلى سماواتها، وزرع الأجنحة للكلمات لتذهب حيث تشاء فلا شيء مثل الحرية يأتي بالضرورة بحياة الشرف والكرامة.