بعض الدعاة الدينيين في عالمنا العربي، بدلاً من الانشغال بالفقه والتفسير والتنوير يتسللون إلى ردهات السياسة، عبر وسائل الإعلام، خصوصاً في البلدان التي تستضيفهم بعد أن ضاقت بهم ذرعاً بلدانهم، وظلوا يتنقلون من بلد إلى آخر، حيث تتعقبهم الجهات الأمنية، نظراً لنزوعهم التحريضي الذي يضر بالمجتمعات. وللأسف، ابتليت دول الخليج العربية ببعض هؤلاء -الذين أصبحوا موضة العصر- حيث بدأوا بنشر فتاوى وأحاديث تهدف إلى تفريق المجتمع الواحد، وتبث أفكار الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهذا يخلق خللاً في اتجاهات الرأي العام ليس في مسائل الدين فسحب، بل في طرائق حياة الناس وتوجهات أفكارهم وأذواقهم وحرياتهم. ولقد ابتليت مملكة البحرين -قبل فترة- باستضافة أحد الدعاة الذين طردتهم أميركا ثم جنوب أفريقيا بتهمة الإقامة غير الشرعية، وكان هذا الداعية قد أبعد من بلده عام 2004. وقد اتخذ من مملكة البحرين موطناً -بمساعدة نظرائه ومريديه من اتجاهاته نفسها- ووصل إلى وسائل الإعلام البحرينية، وقام بتقديم برامج وإلقاء محاضرات وخطب أساءت إلى المجتمع البحريني، سواء من ناحية فتاويه في قضية إحياء الأربعين للميت أو فصل الطالبات المُحجَّبات عن غير المحجبات خلال المحاضرات. بل ووصل به الأمر إلى أن رفع دعوى على رئيس تحرير جريدة بحرينية ما خلقَ أجواء من الشحن والضغائن البعيدة عن الإسلام وعن أسس الضيافة. بل قد وصل به الأمر أيضاً إلى وصف داعية آخر "مشهور" بأنه "المفتون.. المُضل". ولدينا نسخة من هذا القول مسحوبة من الإنترنت. وقد قام نواب كويتيون بتقديم استجواب لوزير الأوقاف -أقيل من الوزارة- أشاروا فيها بأن الداعية المذكور هاجم الكويت، وسبَّ شبابها متهماً إياهم بـ"الجنس الثالث". كما طال حديثهُ أميرَ الكويت الراحل جابر الأحمد الصباح والأسرة الحاكمة (وهو كلام مسجل لدى نواب برلمانيين كويتيين). ولقد جاء قرار ملك البحرين في شهر نوفمبر الماضي بإلغاء إقامة الداعية المذكور على خلفية اتهام النواب الكويتيين الثلاثة له بالإساءة للشعب الكويتي وللأمير الراحل خلال حرب الخليج عام 1990. وقد أنكر الداعية وجود الشريط -لدى النواب الكويتيين- وأنه تم الزج باسمه كنوع من الكيْد السياسي، وتم إسقاط وزير الأوقاف الكويتي لأنه استضاف الداعية المذكور. من جهة أخرى كان النائب الكويتي الدكتور وليد الطباطبائي قد صرح بأن الداعية المذكور اتهم شباب الكويت بـ"ممارسة اللواط"، مشيراً إلى احتفاظه بشريط مدته ساعة كاملة متضمناً إساءاته؛ من خلال محاضرة له أثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت، مشيراً إلى أن الداعية قد هاجمهم ووصفهم بالكذب والتشكيك في سلفيتهم، مما اضطرهم إلى نشر الشريط. وأضاف "هو الذي أشعل المعركة، وعندما رأينا منه ذلك، قمنا بنشر كلامه السيئ، لكننا لم نطلب إبعاده من البحرين، أو اتخاذ أي إجراء ضده". واختتم تصريحه بالقول: "أتصور شخصياً أن الشريط ليس هو السبب الوحيد في إبعاده، بل هناك شكاوى ضده من جهات في البحرين. وقد أضيف عليها هذا الشيء. وهو إجراء سيادي". وكانت محاولات قد جرت للصلح بين الداعية وجريدة بحرينية اتهم الداعية رئيسَ تحريرها وكاتباً فيها بسبه وقذفه، في حين أعلن رئيس جمعية الصحافيين البحرينية عدم وجود وساطة بين الصحيفة والداعية، رافضاً الشروط التي فرضها هذا الأخير لقبول الصلح بين الطرفين، وقال: "إذا ما أرادوا إنهاء القضية فليقوموا بذلك من خلال المحكمة". وبرر رئيس تحرير الجريدة البحرينية الهجوم على الداعية بأن هذا الأخير "قد نشر أفكاراً متخلفة ورجعية تدعو إلى التفرقة، وأنه متطرف ويشكل خطراً على المجتمع البحريني، بعد عقده ندوات ومحاضرات وحصل على برنامج في (قناة البحرين) لبث سمومه وأفكاره المتخلفة"؛ واتهم الداعية بالتدخل في الشؤون المحلية، وعدم احترام أصول الضيافة. ولقد أثارت قضية تجنيس الداعية في البحرين ردود فعل غاضبة، وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض. على رغم أن التسريبات لم تؤكد منح الداعية الجنسية البحرينية، بل تم تجنيس "رفيق دربه" ويعمل مستشاراً في جهة إسلامية. وقد طالب الأمين العام لجمعية العمل الوطني "وعد" الحكومة البحرينية بالإفصاح عن الضوابط والمعايير التي استندت إليها في تجنيس بعض الدعاة الدينيين، في حين دافع نائب إسلامي عن التجنيس بقوله "إنه شرف للبحرين". وطبقاً للهجوم والهجوم المضاد تحركت جماعات إسلامية -عبر الإنترنت- وصبت جام غضبها على رئيس تحرير الصحيفة البحرينية، وللأسف جاء في حديثها كلام لا يجوز أن ينشر في أية وسيلة إعلامية لاشتماله على كلمات غير لائقة لا بالإسلام ولا بالإعلام. هذه قصة الداعية الذي يقال إنه استوطن هذه الأيام في قطر! وبعد، فإننا نحترم ديننا وعلماءنا، ولكننا في ذات الوقت نرفض قيام أي داعية قادم من الخارج بالتدخل في الشؤون العامة أو سياسات بلدان مجلس التعاون. كما أن أصول الضيافة تحتم أن يلتزم الضيوف -مهما كانوا- بالقوانين والأعراف ومقاربات المجتمع، حتى وإن ساعدتهم الظروف في الوصول إلى وسائل الإعلام أو الجامعة! وألا يقوموان بنشر أفكارهم الخاصة التي تتعارض مع أفكار وقيم المجتمع أو تصطدم مع ما توافق عليه أو يأمله المجتمع. كما أنه لا يجوز التعرض لرموز الأسر الحاكمة -الحي منهم والميت- أو التدخل في اتجاهات الدول وسلوكيات الشعوب. ولقد رد داعية فاضل يحترمه الجميع على سؤال حول عدم مجاهرته للحاكم بوقف العنف الأميركي ضد الشعب العراقي، فقال الداعية الوقور -الذي يعرف حدود ذاته وأصول الإقامة: "نحن موظفون لدى الدولة، ولا نقول ما يغضبها"!، وهذا الداعية يعتبر مرجعاً مهمّاً وأساسياً في فكر (الداعية) موضوع هذا المقال. وإذن فنحن هنا نحذر من الانزلاق في درجة الكرم الحاتمي، والسماح بتغلغل من يتدخل في شؤوننا وأفكار شبابنا ويطال سيّر حكامنا! نحذر من نشر أفكار لم نتعود عليها، أو نقد اتجاهات الحكومة في الانفتاح وتحديث التعليم وفتح البلاد والتعامل مع دول العالم المتحضرة. أو كبت الحريات العامة تحت غطاء الالتزام بالدين. ولا يجوز لأي داعية -مهما كان- أن يتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد خليجي، ونحذر مرة أخرى من تنامي الخلايا النائمة -التي تتغذى حالياً بتعاضدها واتحادها الخفي- فحتماً سيأتي وقت تفيق تلك الخلايا وتتحرك، ولن يكون تحركها في صالح المنطقة ولا حكامها. كما لا يجوز استخدام منطقة الخليج كمسرح للتعرض للدول العربية أو أنظمتها التي قامت بطرد أمثال هؤلاء الدعاة. كما أن استخدام الإنترنت -التي يتخفى وراءه الظلاميون الذين يخافون من النور ولا ينشرون أسماءهم- يساهم في تفكيك المجتمعات وإثارة النعرات، وانحراف أفكار الشباب والرجوع بهم إلى عصور التخلف، وتحريم ما درج عليه المجتمع من عادات وأفكار، استناداً إلى أفكار قادة "إسلامويين" ليسوا من الخلفاء ولا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك سيجعل هذه المنطقة "فالتة" الزمام -خصوصاً مع هذا النزوح الكبير إليها من كل صوب ومن كل ملة- فتكثر فيها المشكلات والقضايا وتكميم الأفواه. جميل أن يقوم الدعاة بالدعوة إلى فعل الخير والمحبة والعدالة والمساواة -وهي من القيم الإسلامية العالية- ويركزوا على شؤون الدين بالحسنى والكلمات المعبرة عن روح الإسلام، لا أن يزجوا بأنفسهم في قضايا الآخرين، ويُربكوا الرأي العام ويحقر بعضهم بعضاً، خصوصاً إن كانوا ضيوفاً على دول الخليج، فيقوموا بتعكير المياه الصافية فيه.