يونس قانوني وزير التعليم الأفغاني واحد من الجيل الجديد من القادة في أفغانستان، وهو الأصغر سناً بين أعضاء حكومة الرئيس حامد كرزاي، حيث صار في عامه السابع والأربعين الوريث السياسي والعسكري لأحمد شاه مسعود قائد التحالف الشمالي الأفغاني الذي اغتالته "القاعدة" قبل يومين من وقوع هجمات 11 سبتمبر. وكثيراً ما يتردد أن قانوني هو الرئيس المستقبلي، باعتباره يتمتع بجاذبية الشخصية وفصاحة الكلام، وسرعة البديهة والتفكير ورؤية واسعة وإصرار على تنفيذ أفكاره. وسيحتاج قانوني إلى تلك المهارات وأكثر، باعتبار أنه يحاول إعادة بناء النظام المدرسي الأفغاني المدمّر.
لكن ما لدى أفغانستان من أموال لا يكفي لأي نوع من عمليات إعادة الإعمار؛ فالأموال التي وعدت الأمم الأخرى بتقديمها فور سقوط طالبان لم تتحول من كلمات إلى أموال حقيقية. وفي مؤتمر الدول المانحة الذي انعقد في برلين الأربعاء الماضي، قال حامد كرزاي إن بلاده ستحتاج إلى 28 مليار دولار في السنوات السبع القادمة لكي تتعافى تماماً من عقود الحرب؛ ورفع وزير الخارجية الأميركي كولن باول حجم التعهدات المالية الأميركية للسنة القادمة لتصل إلى 2.2 مليار دولار. وعلى رغم ذلك، مازال حجم الأموال ضئيلاً بالمقارنة مع مبلغ 18.6 مليار دولار رصدته واشنطن لإعادة الإعمار في عام 2004. وهناك ما يدعو إلى التفاؤل، حيث تعهدت الدول المانحة في برلين بتقديم أكثر من 4.4 مليار دولار. لكن أفغانستان ما زالت تفتقر إلى وسائل الانخراط في مناهج بناء الأمة، ومنها خصوصاً تلك المتعلقة بالتنمية الاقتصادية وتأسيس حكومة وجيش قويين، إضافة إلى ضرورة وجود التراث المشترك أو الثقافة المشتركة. فأفغانستان تتميز باختلافات إثنية ولغوية وسياسية، وهو ما يعني عدم وجود ثقافة مشتركة لاتخاذها أساساً للبناء.
وقد تلقيت من وزارة التعليم في الخريف الماضي دعوة لزيارة كابول لمعاينة إمكانيات نجاح إعادة تشكيل النظام التعليمي. وكانت زيارتي نوعاً من العودة إلى ديار مألوفة، حيث عملت كلية المعلمين التابعة لجامعة كولومبيا مع الحكومة الأفغانية في السنوات الـ25 بعد الحرب العالمية الثانية لإنشاء نظام تعليمي وطني للبلاد. وقمنا معاً بتطوير كليات للمعلمين، وبتصميم المناهج وتأليف الكتب المدرسية. وكانت تلك الشراكة هي الأطول من نوعها في تاريخ كليّتنا. وغادرنا أفغانستان عندما أطيح بالحكومة في 1978. وبعد سقوط طالبان في عام 2001، وجّهت وزارة التعليم الأفغانية ومنظمة اليونيسيف دعوة إلى كليّتنا لتنضم من جديد إلى العمل كشركاء في إعادة البناء. وبعد أسبوع على وصولنا إلى أفغانستان، قمتُ بتوقيع اتفاق يقضي بموافقتنا على العرض الذي تلقيناه؛ وكان ذلك من حيث الأساس توقيعاً على ما يعتبره أي مقامر مشروعاً يتصف بالمخاطرة الشديدة.
وليس أمام أفغانستان خيارات أخرى سوى تجريب شيء لم ينفّذه أي بلد آخر على الاطلاق، وهو تحقيق انطلاقة قوية لدفع بناء الأمة من خلال نظامها التعليمي. وباعتباره منهجاً لإحداث التغيير الاجتماعي، يتصف التعليم بأنه أداة فاعلة وتتصف بالبطء الشديد. فهناك حاجة إلى قضاء تسع سنوات في تعليم مجموعة عمرية واحدة من الأطفال، وإلى وقت أطول من ذلك قبل أن يصبح هؤلاء في مواقع النفوذ والتأثير ضمن المجتمع.
ويرى قانوني في النظام التعليمي الحكومي المشترك وسيلةً قوية وفاعلة لإنقاذ ما وصفه بالجيل الضعيف الذي تعرض للصدمات، وللتغلب على مختلف القوى التقسيمية النابعة من الجغرافيا والتنوع الإثني واللغة في بلد مزقته القبلية وحُكم لوردات الحرب. ولا تتجاوز نسبة التعليم في أفغانستان 31% عموماً، وهي لا تتجاوز 15% بين النساء. ومن الممكن للتعليم أن يولّد المقدرة البشرية اللازمة لتحقيق تنمية الاقتصاد، كما في الهند والجزائر ورواندا والأردن، وأن يؤدي إلى تحسين وضع المرأة وإلى الشروع في محاربة إساءة معاملة النساء، ومكافحة ارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال، ومحاربة الفقر والزيادة المفرطة في عدد السكان. ومن الممكن للنظام التعليمي الذي أعيد بناؤه أن يساعد في تأسيس الثقافة المدنية الضرورية لتحقيق الاستقرار في منطقة تعاني من حدود غير محكمة الاغلاق جعلتها موطناً للارهاب، ومن ربع قرن من الحرب والثورة الأصولية الراديكالية. بل من الممكن لتطوير هذا النظام أن يكون وسيلة لحث الأمم المانحة والجهات والهيئات الخيرية على تقديم الدعم لأفغانستان.
لكن إعادة بناء النظام التعليمي لن تكون بطبيعة الحال سوى بداية. فأفغانستان تحتاج إلى الموارد لاستحداث الوظائف، وتحقيق التنوع والتوسع الاقتصاديين، وإحلال الأمن وتنظيف البيئة وإعادة بناء البنية التحتية.
ويعلم يونس قانوني أن ذلك لن يكون سهلاً. لكنه تحدّث، في زيارة قام بها مؤخراً إلى نيويورك وواشنطن لجمع التبرعات، عن التقدم السريع الذي حققه وحكومته في عملية دفع أجندة التعليم. وقد وضع قانوني خطة طموحة لكن غير مستحيلة تمتد 12 عاماً وهدفها ترسيخ المساواة بين الجنسين ورفع نسبة تخرج ا