بعد يومين اثنين تحلُ الذكرى السابعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تلك التي كانت منعطفاً تاريخياً في العالم كلّه وشكّلت صدمةً لكل المراقبين والمتابعين واستطاع تنظيم "القاعدة" من خلالها أن يقول للعالم أجمع "نحن هنا" قادرون على التخريب، بارعون في تغيير أولويات العالم، ساعون بجدِ إلى قلبه رأساً على عقب، راغبون في نحره من الوريد إلى الوريد على مذبح عقيدتنا وخرافاتنا وكراهيتنا ومن دونهم –كما في القرآن- قوم آخرون لا تعلمهم نحن نعلمهم! في الماء الآسن تتكاثر الطحالب، وفي الصحراء الجرداء تتزايد العقارب، وفي اللحظات التاريخية يتكاثر المتأكلون بمشاعر الغوغاء، والمتزيّدون بمداعبة عواطف الجماهير. من هذا المنطلق فقد حلا لبعضهم أن يكتب ليشهّر بمن سمّاهم "نقّاد الإرهاب"، وليتسوّل كلمة عطفِ من المتطرفين وأشباههم، حاله كحال من يحسب الشحم فيمن شحمه ورم ولسانه يقطر زعافاً يحسب هو أنه عسل مقطّر! من الغريب أن بعض المتأرجحين بين الإرهاب وخصومه، يحسبون أنهم "وسطيون" مادام أنهم يضعون قدماً مع الإرهاب وقدماً ضدّه، وهم كعادتهم مستعدون –دائماً- لحمل الأحزمة الناسفة –حسب الموجة- تارةً مع الإرهاب وتارةً ضدّه، وينسون في غمرة تأرجحهم أنّ التاريخ لا يذكر بين صفحاته إلا أصحاب المواقف وذوي الكلمات التي تتخذ مكاناً بيّناً وهي مستعدة على الدوام لدفع التبعات. نتذكر جميعاً كيف تخرّص المتخرّصون وأرجف المرجفون، وتقوّل المتقوّلون بعد تلك الأحداث، فخرجت نظرياتٌ مؤامراتية لا تكاد تحصى من الأضحوكة "تيري ميسان" إلى زرافاتِ من الكتّاب العرب ووحداناً ممن يتأرجحون بين الإرهاب وبين محاربيه، وكلّ تلك النظريات تتحدث عن مؤامرةِ حيكت بعناية من قبل أميركا، أو من قبل إسرائيل ووضع كلٌ منهم أهدافاً يتوهّمها خلف كل مؤامرةِ حاكها، ونسوا أن الحقيقة قد ظهرت جليّةً ناصعةً بمسؤولية "القاعدة" عن تلك الأحداث بتصريحاتِ للمنفّذين أنفسهم وأخرى لابن لادن والظواهري، وأخيراً ما أدلى به العقل المدبّر للعملية برمّتها خالد شيخ محمد بأقواله واعترافاته أمام محكمةِ عسكريةِ أميركية. بعد الحادي عشر من سبتمبر توسّع نشاط "القاعدة" بشكلِ كبير، فكانت أناشيد بن لادن الدمويّة من على جبال الهندوكوش تتراقص لها أطراف خلايا "القاعدة" في أكثر من بلدِ، فضربت في أكثر من مكانِ من بالي إلى مدريد ولندن، ومن الرياض إلى الدار البيضاء مروراً بالأردن والجزائر، وبالتأكيد أفغانستان والعراق. الحقيقة اليوم تقول إنّ قوّة "القاعدة" قد تقلّصت بشكلِ ملحوظ، ففي السعودية حسم الصراع تقريباً، وفي العراق سجّلت "القاعدة" تراجعاً ملحوظاً وتكاد المعركة هناك أن تقارب الحسم، وفي الأردن كذلك، وفي أفغانستان، وعلى الحدود الباكستانية - الأفغانية تخسر "القاعدة"، وإنْ كانت "طالبان" تحظى بشيءِ من الانتعاش، وفي المغرب هناك حصار قاسِ على "القاعدة" و"القاعديين"، وفي الجزائر الحرب سجال والنتيجة العامة هي أن "القاعدة" خسرت مكانتها وقلّت قدراتها وتضاءل عدد المقتنعين بها. نتذكّر جميعاً أنّ عدداً من المشاهير ممن كانوا مقرّبين لخط "القاعدة"، قد أعلنوا البراءة منها "الجماعة الإسلامية" في مصر ترد بقوة على"القاعدة"، سيد إمام الشريف أو الدكتور فضل يردّ عليها، نعمان بن عثمان الليبي يردّ عليها وعلى عملياتها، عبدالله أنس يهاجمها بقسوةِ، سلمان العودة يرد عليها، ويطرح طرحاً جديداً يعارضها وغيرهم كثير ممن خسرتهم "القاعدة" على مستوى الرموز فضلاً عن إفلاسها لدى كثيرِ من عامة الناس. لقطع دابر المشكّكين نجد أنه في محاكمة العقل المدبّر لكثير من تلك العمليات خالد شيخ محمد جاءت اعترافات جديرة بالإطلاع منها قوله: "كما أعترف وأشهد دون ضغط أنني كنت مشاركاً مسؤولاً ومخططاً رئيسياً ومدرباً وممولاً (بواسطة خزينة المجلس العسكري) ومنفذا و/أو مشاركاً شخصياً في التالي: كنت مسؤولاً عن عملية مركز التجارة العالمي سنة 1993. كنت مسؤولاً عن عملية11/9 من الألف إلى الياء. كنت مسؤولاً عن تفجير نادِ ليلي في بالي بإندونيسيا كان يؤمه مواطنون بريطانيون وأستراليون. ولم يكتف بهذا بل أضاف قائمةً طويلةً من الأهداف التي كان ينوي تفجيرها وخطط لذلك وأشرف عليها وربما موّلها ومن العجائب أنه يقول في النهاية:"القتل محرم عند كل أهل الكتاب اليهود والمسيحيين والمسلمين. أنتم تعرفون الوصايا العشر جيداً. نحن نشترك جميعاً في هذه الوصايا العشر. فنحن جميعاً نخدم إلهاً واحداً"!هكذا جاء في الاعترافات! ثم قال: "اقرأوا التاريخ لتعرفوا أن الحرب لا تتوقف أبداً". هذه حقاً عقيدة "القاعدة" إنها ستحارب دائماً وأبداً وستفجر إلى ما لا نهاية، فعقيدتها هي أن الحرب لا تتوقف أبداً لا يهمّ ضدّ من؟ ولا يهم ما هو الهدف؟ وليس ذا بال ما هو المآل؟ المهم هو أن تستمر الحرب! منذ سبع سنواتِ والإنترنت وسيلة "القاعدة" الإعلامية الأولى ومنبعها الفكري والتنظيري التي رغم الضربات المتواصلة ضدها إلا أنها لم يزل تعمل مذ ذاك الحين، والإنترنت يحمل لنا كل فترةِ مقالةً مدبّجةً أو خطةً مدروسةِ أو منهجا متكاملا تُنسب جميعاً لـ"القاعدة" ربما كان بعضها وثيق الصلة بـ"القاعدة" كتنظيم غير أنّ عدداً غير قليلِ منها يقوم بإصداره بعض المتعاطفين من "القاعدة"، وإنْ لم تكن لهم صلة مباشرة معها ومن أمثال ما تقدّم ما نشر باسم "استراتيجية القاعدة" في بعض المواقع الإلكترونية أو "إدارة التوحّش" أو نحو ذلك. لا شك أن الحرب ضد "القاعدة" والإرهاب والتخريب والتدمير التي اشترك فيها غالب دول العالم وكثير من المفكرين والمثقفين والإعلاميين وبعض رجال الدين، قد آتت كثيراً من أُكُلها الطيّبة وجنينا جميعاً ثمارها الطيّبة، غير أنّ المهم هو أن تستمر هذه الحرب وألا تخمد جذوتها أو ينطفئ شيء من جمرها حتى نضمن سلامة كوكبنا ومجتمعاتنا بعيداً عن اللاعبين بدماء الشعوب العابثين باستقرار المجتمعات ممن جعلوا العنف لهم دليلاً والدم لهم قائداً وهم يشوّهون الإسلام بالزعم أنّه هو المظلّة التي يتحركون تحتها ويجعلونه منطلقاً لكل جرائمهم، وهو ما يزيد المسؤولية على المسلمين جميعاً للبراءة الواضحة من هذه التصرفات غير الإنسانية بل والوحشية، التي لطّخت أوّل ما لطّخت الإسلام نفسه والمؤمنين به. باختصار خسرت "القاعدة" الكثير على أغلب المستويات الفكرية والعقائدية والسياسية والاجتماعية والتنظيمية وغيرها، وكسب العالم أجمع من جراء تلك الخسائر، ولكن ما يجب علينا جميعاً هو عدم الركون لما حصل من مكاسب، بل الاستمرار بنفس القوة وذات الوعي للقضاء على كلّ ما يمكن أن يعيد جذوة هذا العنف الأعمى من جديد.