كان صوت المذيعة الأنيقة الملبس الفاتنة الجميلة التقاطيع واثقاً، كخطوتها على المسرح وهي تؤكد أن المشاركة في هذا البرنامج (الأكثر جماهيرية على مستوى العالم العربي)، أقول كان صوتها يحمل أكثر مما يتوقع المشاهد المشدود بحبل سحري إلى مجموعة الأضواء وسرب الصبايا الواقفات على المسرح في استعراض يقدم مشهداً من سوق النخاسة الفضائية. بكل ثقة تقول المذيعة موجهة حديثها لملايين المشاهدين: "مارسوا حقكم الديمقراطي في انتخاب نجمكم المفضل، إنها أول مرة يمنحكم فيها هذا البرنامج حرية الاختيار وفق ما يحلو لكم، عليكم الاتصال بكل سهولة والتصويت بكل حرية وثقة بالنفس".
لم تكن المذيعة تبيع وهماً وتوزع الوعود الجزافية بل إن الحقيقة المؤكدة أن كل من رفع سماعة الهاتف سمح له بتسجيل صوته في سجل الخالدين من العرب الذين مارسوا ولو لمرة واحدة حق الانتخاب بحرية، طبعاً لم يكن البرنامج الفني الأكثر أهمية يهدف إلى تعليمنا كمشاهدين مبادئ العمل الانتخابي واحترام صندوق الانتخابات والقبول بنتائج التصويت ولكنه في الأساس كان موجهاً لسرقة بعض ما تبقى من دريهمات في جيوب أبنائنا قبل أن ينفد مصروفهم الشهري. وتتحدث بعض الإحصائيات الخبيثة عن ملايين الدولارات التي أهدرت من أجل التصويت لنجم المستقبل. بعيداً عن فكرة التحامل على هذا النوع من البرامج التلفزيونية التي غزت شاشاتنا العربية الفضائية كدليل ساطع على إفلاس نوابغنا العرب في ابتكار أفكار جديدة تكون قادرة على تقديم جرعة صوتية بصرية ترويحية وثقافية لمشاهد مسكون بالحزن واليأس والإحباط يتأكد للمتابع أن موجة هذه البرامج في أكثر من محطة جاءت وفق تخطيط زمني يتوافق مع كل ما تتعرض له الأمة من تحديات بعد أن تكالبت عليها الأمم وغدت فريسة وصيداً سهلاً لتوجهات السياسة الدولية الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة وخاصة بعد عودة الفكر والممارسة الاستعمارية في زمن ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات وشبكة المعلومات الدولية.
يئن المتلقي العربي تحت وطأة ضغوط متواصلة في معيشته اليومية حيث تطارده صور الدمار في نيويورك وقصف الطائرات العملاقة لكهوف وفلول طالبان بينما جحافل مغول العصر تدك بغداد وتحرقها وترمي لا بكتبها ولكن بتاريخ حضارتها تحت أقدام الجند القادمين من أقصى الأرض.. هل كان تحريراً أم عودة لاستعمار يؤرخ له في بدايات القرن الجديد؟ سؤال نتركه لأهل السياسة والدراسات الدولية.
يتواصل أنين المواطن العربي وهو يشاهد وعلى الهواء مباشرة ملاسنات واختلافات في وجهات النظر حول مكان وموعد وجدول أعمال مؤتمر للقمة لم يكن متوقعاً أن يقدم أكثر من وعود وهمية وأحلام وردية لمشاكل متأصلة مع متلازمة الفقر والأمية والتخلف الاقتصادي والتنموي والفساد الذي ينخر في العظم والرشوة التي باتت من بديهيات الحياة اليومية في المؤسسات والوزارات العربية التي تتغير تسمياتها عاماً بعد عام بينما يظل رابضاً على صهوتها وصدرها وزراء لا يتزحزحون عن الكرسي قيد أنملة ولا يقتلعهم من الكرسي طوفان أو ريح صرصر عاتية.
هل هي أزمة برامج مباشرة تبث على الهواء ما يتناسب مع الأهواء، أم أنها أزمة في بنية الإعلام العربي وخطابه الذي فقد المصداقية، أم أنه توجه مفروض لا مرفوض يشكل إطاراً عاماً لأزمة حقيقية تتصل بوجود وكيان هذا العربي؟ هل نحن فعلاً أمام نقطة اللاعودة بين مطرقة الإرهاب الذي يقدم خطابه الثورجي الرافض للواقع والناقد لكل الممارسات التي اتسمت بها الرؤية السياسية للأنظمة العربية بعد السقوط المريع والمبكي للمشروع النهضوي العربي؟ أم أنها محاولات معززة بقوة تأثير الرسالة الإعلامية الغربية لصياغة رأي عام عربي جديد قادر على تقبل فكرة التعايش مع الدولة العبرية التي اخترقت صواريخها صدر شيخ مقعد على كرسيه المتحرك وخرجت بعدها الجماهير العربية تبكي خروج بشار وبقاء محمد عطية نجماً في حلبة السباق الشيطانية.
ما الذي يضيفه من مجد لصومالي يموت من الجوع والجفاف فوز محمد عطية أو ملكة الجمال الأنثوية؟ ما الذي يضيفه من رصيد نضالي أن يكون لدينا ألف سوبر ستار لمنع طفح المجاري في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو لاجئي دارفور أو البشر العالقين على الحدود بين الأردن والعراق أو عشرات الفاقدين لهوية العبور من ميناء عربي لآخر حاملين همّ البقاء وانحناء الظهر وقهر الساعات.
هل يمكن لمثل هذه البرامج أن تراكم فكرة صناعة رأي عام مستنير وخاصة أن هناك اهتماماً واسعاً بصناعة الرأي العام في عصر العولمة وثورة الاتصال وكون الرأي العام واحداً من أهم محددات صناعة القرار السياسي على المستوى المحلي والدولي وإن أيدنا مقولة الغيداء التي أكدت من على شاشة واحدة من هذه المحطات الباثة لمثل هذه البرامج بأن تجربة التصويت الديمقراطي يمكن تعلمها من خلال عملية اختيار المطرب النجم؟ وهل يمكن اعتبار هذه المشاركة وحدة قياس أو اختبار لأهلية المواطن العربي في ممارسة الدور والاحتكام لمخرجات النتائج مهما كانت متوافقة أو مختلفة م