لقد أجرى جاك شيراك تعديلاً وزارياً الأسبوع الماضي، أبقى فيه على الوزير الأول جان بيير رافارين على رأس الحكومة. وقد دفعت رئيس الجمهورية إلى هذا الإجراء خيبة أمل عمقتها الانتخابات الجهوية الأخيرة التي مني فيها حزبه الحاكم بهزيمة انتخابية واضحة. وإلى جانب الآثار السياسية الداخلية المترتبة على هذا التعديل الوزاري، هنالك أسئلة سياسية فيما يخص السياسة الخارجية لابد من طرحها والوقوف أمام دلالاتها. وطبعاً، في المقدمة هنا السؤال: هل تغيير الرجل المسؤول عن تسيير الأمور في قصر "كي دورسي" (مقر الخارجية الفرنسية)، سيترتب عليه تغير في السياسة الخارجية الفرنسية برمتها؟ ذلك أن دومينيك دوفيلبان غادر بموجب التعديل الأخير وزارة الخارجية ليتولى مسؤوليات وزارة الداخلية. وهو حين يغادر وزارة الخارجية، اليوم، فإنه يغادر وزارةً ترك عليها بصماته، وكرّس خلال تواجده فيها نوعا من الشخصنة، إن جاز التعبير، في السياسة الخارجية الفرنسية منذ عامين، على الأقل. وإذا كانت صورة ما أو لحظة بعينها قد علقت بالذاكرة وارتسمت فيها بقوة، عن دومينيك دوفيلبان، فهي بكل تأكيد، خطابه في شهر فبراير 2003 أمام مجلس الأمن الدولي، في المداولات التي سبقت الحرب ضد العراق، التي كانت نذرها يومذاك مطبِقة على الآفاق. في ذلك الخطاب عبّر دوفيلبان، بأقوى العبارات، عن خيار المعارضة الفرنسية الشديدة لخط الإدارة الأميركية، التي مثلها ودافع عن رؤيتها في ذلك الاجتماع المشهود نفسه وزير الخارجية كولن باول، الذي حاول جاهداً إقناع مستمعيه بأن الحرب تبقى، على رغم كل شيء، وسيلة واردة جداً ضمن وسائل كثيرة لتسوية النزاعات، وليست، كما يفترض، الحل الأخير، بعد استنفاد كل السبل المتاحة والممكنة الأخرى للحل. ولسنا في حاجة الآن إلى القول إن رؤية باول تلك، لم تصادف هوى في نفوس كثير من الحكومات، كما عارضها، بكل تأكيد، الرأي العام العالمي بشكل عريض. لقد أصبح دوفيلبان منذ ذلك اليوم رمزاً لمعارضة فرنسا للسياسة الأحادية الأميركية التي قاتل هو شخصياً ضدها في المحافل الدولية، باقتناع شديد وبعزم لا يلين. لكن هل سيتمكن خليفته في المنصب ميشيل بارنييه، الذي كان سابقا وزيرا منتدبا للشؤون الأوروبية، وظل حتى وقت قريب في منصب مفوض في الاتحاد الأوروبي في بروكسل، هل سيتمكن من تغيير مسار السياسة الفرنسية؟ ثم ألا يعدُّ تعيين شيراك لرجل اشتهر بميوله التفاوضية، وبشخصيته المعتدلة، النزّاعة إلى الابتعاد عن المواقف المتطرفة والحدية، على رأس الدبلوماسية الفرنسية، دليلاً آخر على رغبة في إرساء مصالحة فرنسية- أميركية، أو على الأقل إبداء سياسة فرنسية أكثر ميلا للتصالح مع واشنطن؟ ما من شك في أن لكل وزير توجهات، ولمسات شخصية مميزة في تحركاته العامة. وأن كل وزير خارجية يضفي على الممارسة الدبلوماسية طابعا خاصا يتماشى مع شخصيته وقناعاته. غير أن كل ذلك أيضاً لا ينقص شيئاً من حقيقة كون السياسة الخارجية لأية دولة تتشكل عبر مسار زمني مديد، يتماشى مع تقاليدها السياسية والتاريخية، وموقعها الجغرافي، وأيضا بما يتلاءم مع المفاهيم السائدة لدى أكبر عدد ممكن من القادة والنخب السياسية في تلك الدولة، والكيفية التي يقع بها توصيف مصالحها الوطنية. ومن هنا يمكننا القول إن وزيراً ما يمكن أن يضع بصماته الشخصية المميزة على سياسة بلاده الخارجية، ولكنه لا يستطيع تغيير مسارها العام بشكل جذري. فمن يملك القدر الأكبر من سلطة وصلاحية إحداث تحول راديكالي كهذا في السياسة الخارجية، في حالة فرنسا مثلا، هو قصر الأليزيه، تحديداً وليس سواه. ولكن حتى هنا أيضاً يلزمنا الإبقاء على الحذر وعدم الإطلاق والتعميم، فانتخاب رئيس جمهورية جديد لا يعني بالضرورة إمكانية إحداث تحول شامل في المسار السياسي. يستطيع الرئيس مثلا تعديل أو تحديد هوامش توجهات دبلوماسية بلاده، وخطوطها العريضة. ولكن قد تقف صلاحياته هو أيضاً، بل وقدراته وطموحاته الشخصية عند هذا الحد.
وعندما جاء دومينيك دوفيلبان إلى قصر "كي دورسي"، نقل عنه قوله إن سلفه هوبير فيدرين كان عدائيا أكثر من اللازم تجاه الأميركيين. وكان يعتقد أنه هو بحكم معرفته الواسعة بالمجتمع الأميركي، الذي عاش فيه خلال فترتين مختلفتين، يستطيع بسهولة أن يرقِّع ما اتسع من خروق في العلاقات الفرنسية- الأميركية، وهذا ما كان يعتبره مهمة ذات أسبقية، بالنسبة إليه. ولكننا نعرف الآن جميعاً ما آل إليه حلم دوفيلبان ذلك، ونعرف تفاصيل الطريقة التي تبخر بها، بين يديه. إذ كانت الأزمة التي مرت بها العلاقات بين باريس وواشنطن العام الماضي واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ العلاقات الفرنسية- الأميركية، على الإطلاق. كانت أزمة صاخبة، بشكل ملفت، وطغى فيها الضجيج والنبرة العالية، والتصريحات الفجة، على صوت العقل، وما يقتضيه المنطق. ولا تعود المسؤولية عن ذلك إلى إرادة أو رغبة دفينة لدى دومينيك دو فيلبان، بقدر ما تسببت فيها الأنماط السائدة في السياسة الأميركية.
لا شك أن الع