... اعتراف وزير الخارجية الأميركي كولن باول بعدم صدقية المعلومات الخاصة بوجود معامل متحركة لتصنيع أسلحة الدمار الشامل لدى النظام العراقي السابق, وما سبقه من تراجع البيت الأبيض عن صحة معلومة استيراد بغداد لليورانيوم من جمهورية النيجر, وما هو حاصل حاليا من يأس معلن وإحباط ظاهر في جهود العثور على أسلحة محرمة بعد إزالة النظام, يبين الثغرات الكبيرة والخطيرة التي يمكن أن تنفذ من خلالها معلومات خاطئة ومغلوطة ومعيبة لتشكل قاعدة بيانات لمعالجة قضية معقدة وشديدة الخطورة كالقضية العراقية التي لا تزال فصولها المأساوية والدامية تتوالى وتتداعى على أكثر من صعيد.
... هذه الاعترافات والتراجعات الأميركية, رغم خطورتها وآثارها السلبية على الصورة العامة لأداء أجهزة جمع وتحليل المعلومات الأميركية, وعلى مجمل مستقبل إدارة الرئيس جورج بوش الساعية للفوز بولاية ثانية, إلا أنها لا تنتقص ولا تهز من حقيقة امتلاك النظام العراقي السابق لأسلحة الدمار, فقد استخدمها في أواخر ثمانينات القرن الماضي ضد مواطنيه في الشمال, وخاصة في مدينة حلبجة حيث ما تزال شواهدها وآثارها باقية إلى اليوم سواء في الأرض التي أضحت يبابا وخرابا, أو في رفات الضحايا الذين كتمت أنفاسهم على حين غرة, وشوهت أجسادهم من أبخرة وقطرات الموت المنهمرة من الطائرات ومن فوهات المدافع, علاوة على الناجين من تلك المذبحة الذين كتبت لهم الحياة, إلا أن كوابيس"الكيماوي" ظلت تطاردهم في الصحو وفي المنام.
إن الأمر الأكثر أهمية من كل هذه الاعترافات, التي قد تسر البعض ممن يعملون على إعادة الزمن إلى الوراء, وتحويل العراق إلى مستنقع للإرهاب والفوضى, أن يعمل "التحالف" على الإسراع بإنجاز وعوده والوفاء بمواعيده, وتسليم الأمانة إلى أهلها بحلول الثلاثين من يونيو المقبل, علما بأن تلك الاعترافات لن تغير من قناعة العراقيين بإيجابية التغيير الذي حدث في التاسع من أبريل 2003, وتخلصهم من أسوأ وأبشع نظام عرفوه في تاريخهم المعاصر, وتحررهم من سجن القمع والحصار والجوع والمرض, وتطلعهم إلى استعادة زمام قيادة وطنهم بأنفسهم وسط إجماع وطني وإقليمي ودولي على بناء العراق الجديد الخالي من كل ما يهدد مواطنيه وجيرانه والعالم أجمع.