ثمة معضلة في عقل صانع القرار في البلاد العربية. منذ عقود بسيطة كانت بعض الحكومات تمنع الفاكس في دولها وتحظر استخدام الهاتف الجوال وتحاصر التواصل الإعلامي من خلال التشويش على القنوات الإذاعية... إلى أن جاءت تقنية الإنترنت ووجدت الحكومات نفسها أمام تحد جديد فبدأت تفكر في كيفية محاصرة التواصل الالكتروني، وربما منحتها "الحرب العالمية على الإرهاب" الفرصة لتقليص مساحة الحرية. وتحت حجج مختلفة نجد توجهات جديدة بدأت تظهر على السطح، وربما كان اجتماع وزراء الإعلام العرب الأخير في مصر واضحاً لجهة وجود رؤى جديدة في التعامل مع القنوات الفضائية، حيث تم استخدام حجة "حماية الأخلاق"، بينما الحقيقة تقول إن لدينا قنوات رسمية تبث كل أنواع التخريب الأخلاقي! الكويت الدولة التي تتسم أجواؤها بالديمقراطية، تسير وفق سياسات جديدة هدفها تقليص الحريات العامة، فقد أشاعت الحكومة نيتها منع كُتاب الأعمدة في الصحافة المحلية من الجمع بين الوظيفة العامة والكتابة في الصحف، وقامت بطلب المشورة من جهاز الفتوى والتشريع، وعندما ظهر الموضوع على السطح تراجعت عن قرارها، لكن لا يعني ذلك تراجعاً نهائياً، حيث تفاجأنا بنية الحكومة تقييد مراسلات جمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني وفرض نظام جديد يدعو هذه الجمعيات إلى تقييد مراسلاتها من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مما يعني محاولة قطع التواصل لهذه الجمعيات اعتقاداً من الحكومة بأن تلك أفضل وسيلة لإلزام الجمعيات بقراراتها وتوجهاتها. مثل هذا التفكير يدخلنا في حيرة، حيث يجعلنا نتساءل: كيف تفكر حكوماتنا ونحن في القرن الحادي والعشرين؟ وهل تدرك أننا نعيش في عصر التقنية والتواصل المعلوماتي؟ وهل هي مدركة لعلاقة المواطن بالدولة، وللدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني؟ عندما انتشر خبر محاولة توقيف كتاب الأعمدة، سارعت الحكومة إلى النفي. لكن المشكلة أن نمط التفكير الذي تسير وفقه يجعلها مهمومة بتقييد الحريات العامة بدلاً من أن تتوجه نحو قضايا تطوير عقل الإنسان وتوسيع مداركه من خلال مناهج تعليمية جديدة تقوم على فكرة النقد والسؤال، وأن تتوجه نحو تطوير حقيقي لعجلة التنمية الاقتصادية، وإلى قضايا الشباب المهمش والمنغمس في الاستهلاك البذخي. ورغم تعطل البرلمان الكويتي، فإن مثل هذه القضايا تلهب الأجواء السياسية، وتزيد سخونة الصيف، وتدعونا إلى الخشية من احتمال العودة مرة أخرى إلى أجواء التوتر الحكومي البرلماني. ونتيجة للتصعيد الحكومي حيال قضايا الحريات العامة، سارعت لجنة حرية التعبير إلى التصدي لنية الحكومة، وكشفت ما كان مخبوءاً، مما دعا وزير الشؤون الاجتماعية إلى توضيح التوجهات الجديدة، لكن كما قلنا فإن النية مبيتة والحكومة عاجزة عن فهم ضرورة التغيير المنشود، وهي حكومة تكرر أخطاءها، ولا نستبعد تكرار المواجهة مرة أخرى، لكن المواجهة هذه المرة ستكون مختلفة عن السابق، حيث تلوح في الأفق توجهات لخنق الديمقراطية. المعضلة الحقيقية تتجسد في تراجع النفس الوطني وانخراطه بالمصالح الخاصة، مما زاد من تشابك الحكومة مع القوى الوطنية. اليوم نحن نواجه أزمة حقيقية وبحاجة إلى صحوة وطنية تعيد للعمل الوطني بريقه، ونعتقد أن الوقت مازال أمامنا، ونتمنى من القيادات الوطنية التاريخية، كالدكتور أحمد الخطيب، بأن يعيدوا الحياة للعمل الوطني وأن يواجهوا الحقيقة وإن كانت مرة. أما مجلس الأمة فنعتقد أنه يتحمل المسؤولية عن تراجع العمل السياسي النقي، وعلى أعضائه مواجهة كل المتورطين، سواء من داخل المجلس أو من خارجه، ولا نعتقد أننا نتحمل مزيداً من التراجع الذي تشهده الساحة الكويتية.