في عام 1896، كتب الطبيب الشرعي في تقريره النهائي عن أول حادث سير في التاريخ البشري قائلا:(هذه المأساة لا يجب أن تحدث مرة أخرى). والآن وبعد مرور أكثر من قرن على تلك المقولة، تقتل حوادث الطرق أكثر من مليون شخص كل عام، بينما يصاب خمسون مليوناً آخرون بإصابات خطيرة خلال الفترة الزمنية نفسها. وبعد أن تضاعفت حوادث الطرق أكثر من مليون ضعف خلال مئة عام فقط، لا زال يتوقع لها أن تشهد زيادة مطردة خلال الأعوام والعقود القادمة، إن لم تتخذ الإجراءات اللازمة لوقف هذا الإهدار المستمر للدم والمال. دعم تلك الإجراءات هو الهدف الذي التي تأمل منظمة الصحة العالمية في بلوغه، من خلال احتفالات يوم الصحة العالمي، والتي تبدأ بعد غد الأربعاء، ويمكن ترجمة شعاره لهذا العام في عبارة "حوادث الطرق يجب ألا تحدث" (Road safety is no accident). ففي معظم مدن وبقاع العالم، تضج الشوارع والطرقات بضجيج السيارات والحافلات وعربات النقل والدراجات النارية، وغيرها من وسائل المواصلات الميكانيكية ذات العجلتين والثلاث والأربع، تدفعها محركات الديزل والبنزين وحتى الغاز الطبيعي. هذه الوسائل الميكانيكية أصبحت جزءاً ضروريا من الحضارة البشرية في هذه المرحلة من تاريخ تطورها، حيث تساعد وسائل المواصلات على نقل الأشخاص والسلع من مكان إلى آخر، بشكل أسرع وأكثر كفاءة مما عرفه الجنس البشري طوال تاريخه. ولذا تعتبر وسائل الانتقال الميكانيكية من أهم أعمدة التطور الاجتماعي والاقتصادي في مختلف أصقاع الأرض، ولكنها أيضا تشكل أحد أهم أسباب الوفاة والإصابة في المجتمعات الحديثة. هذا الجزء السلبي من آثار وسائل الانتقال الميكانيكية يمكن إدراكه بسهوله، إذا ما تمعنا في الإحصائيات الصادرة من بريطانيا، إحدى أكثر الدول تقدما فيما يتعلق بحالة الطرق ووسائل الأمن المروري والوعي الشعبي العام.
هذه الإحصائيات تشير إلى أن عدد من يلقون حتفهم بسبب حوادث الطرق في بريطانيا، يبلغ خمسة أضعاف من يقتلون في جرائم قتل. بينما توفي من البريطانيين بسبب حوادث السير أثناء الحرب العالمية الثانية - وما رافقها من إظلام تام للمدن - أكثر ممن قتلوا بسبب الغارات الجوية الألمانية. ورغم أن الإحصائيات الحديثة تظهر انخفاضاً واضحاً ومطرداً في عدد من قتلوا وأصيبوا في حوادث سير، إلا أنها تؤكد أيضا أن حوادث السير لا زالت السبب الأول للوفيات والإصابات في الفئة العمرية من 5 إلى 40 عاما من البريطانيين. وتتمتع العاصمة البريطانية لندن بمكانه خاصة في قائمة الحوادث، حيث يشكل المشاة نصف عدد القتلى. ويشكل السياح نسبة لا يستهان بها من هذا العدد، بسبب اختلاف حركة اتجاه السير عن بقية الدول الأوروبية ومعظم دول العالم.
وتعتبر المنطقة العربية ومنها منطقة الخليج العربي، من أعلى مناطق العالم في عدد الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق. فحسب إحصائيات مركز بحوث الطرق بالبحرين، تتسبب حوادث الطرق في مقتل ما بين 12 إلى 23 شخصاً لكل مئة ألف من سكان دول مجلس التعاون. وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأكثر تضرراً من حوادث المرور. حيث فقدت المملكة خلال العشر سنوات الأخيرة ما يزيد على 30 ألف قتيل في حوادث الطرق، بينما أصيب من جراء تلك الحوادث ما يزيد على 300 ألف شخص. ويشكل الأطفال 21% من مجموع الضحايا السعوديين من القتلى والمصابين. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة وحسب رسالة دكتوراه، ربما كانت هي الأولى من نوعها في المنطقة والعالم العربي، فكانت نسبة حوادث الطرق في الدولة مرتفعة جداً، مقارنة مع دول العالم المزدحمة بالسكان مثل الولايات المتحدة والسويد وبريطانيا واليابان. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة حوادث الطرق في دولة الإمارات بالنسبة لعدد السكان، ثمانية أضعاف حوادث الطرق في اليابان أو بريطانيا، وسبعة أضعاف حوادث الطرق في الولايات المتحدة الأميركية أو السويد. وكما ذكر الباحث في رسالته، ساهمت الوفيات من جراء حوادث الطرق بأكثر من 15% من إجمالي الوفيات بجميع أنواعها وأسبابها.
هذا الوضع المأساوي لعدد ضحايا حوادث الطرق في جميع مناطق العالم، دفع البعض إلى وصفها بأنها (وباء على عجلات)، بينما اعتبرها البعض الآخر إحدى أكبر مشاكل الصحة العامة والسلامة التي تواجه المجتمعات الحديثة. ولا يتوقع أن تنخفض حدة انتشار هذا الوباء، أو أن ينخفض في أي وقت قريب عدد ضحاياه من القتلى والجرحى. بل على العكس تشير التقديرات إلى أن أعداد القتلى والجرحى سوف تشهد زيادة مقدارها 60% عن الوضع الحالي بحلول عام 2020. وهو ما يعني أن عدد القتلى سيتخطى المليون ونصف مليون شخص سنويا، مع عدد مصابين يزيد على السبعين مليوناً. ويتوقع أيضا أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة سوف يحدث في الدول النامية، بسبب الزيادة المتوقعة في استخدام وسائل المواصلات الميكانيكية، والمصاحب بتدهور حالة الطرق وفقدان الوعي العام باحتياطات السلامة المرورية. ورغم فداحة الوضع الحالي، يرى ا