لقد كثرت في الآونة الأخيرة برامج الدبلومات التي تطرحها مؤسسات التعليم العالي سواء الحكومية أو الخاصة، والتي تؤهل المواطنين الحاصلين عليها لمستوى محدد من الوظائف في سوق العمل. ولاشك أن هذه البرامج تأتي بناء على دراسات حول احتياجات سوق العمل في الدولة. وتتنوع هذه الدبلومات لتغطي مجالات مختلفة مثل الفندقة والبنوك والتأمين وغيرها. وهي من المجالات التي يندر فيها العاملون المواطنون كونها تشكل قطاعاً كبيراً من القوى العاملة، التي تتميز بسرعة النمو في ظل النهضة التنموية التي تعيشها الدولة حالياً. وليس الحديث هنا عن مدى جودة هذه الدبلومات أو عن الحاجة إليها وإنما الأمر يتعلق بترتيبها في سلم الأولويات. وهنا يجد المرء نفسه أمام مجموعة من الأسئلة مثل: ما هي أولويات التوطين في سوق العمل في ظل الخلل الكبير في التركيبة السكانية؟ هل المهم بالنسبة للمواطن أن يحصل على وظيفة بغض النظر عن نوعيتها، والصلاحيات التي يملكها من خلالها؟ هل هناك خطة وطنية استراتيجية لتأهيل المواطنين لكي يشغلوا الوظائف القيادية في مختلف المجالات في الدولة؟ ولقد مررت بتجربة تتعلق بكيفية تعامل الدول المتقدمة مع مثل هذا الأمر, فقد شاركت في دورة للقيادات الأكاديمية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية، شارك فيها أكثر من مئة من رؤساء الجامعات الأميركية أو مساعديهم، وكان موضوع الدورة هو القيادة الأكاديمية الحديثة. وقد استرعى انتباهي أحد محاور الدورة وهو مسألة "التنوع" (diversity) التي ركز عليها بعض المتحدثين بصورة جعلتني أشعر بأن الموضوع لا يستحق هذه الأهمية، مما دفعني الى مقاطعة المتحدث وسؤاله عن مدى أهمية مثل هذا الموضوع في دورة تتعلق بالقيادة الأكاديمية لرؤساء الجامعات. وقد كانت إجابته بوضوح وشفافية جعلتني أتساءل: أين نحن من هذا التخطيط؟ وكانت إجابته كالتالي: إن المجتمع الأميركي يتكون من عرقيات مختلفة، وإن البيض يمثلون حالياً أكثر من 70% من السكان، ولكن بحلول عام 2050 سيكون البيض أقلية تشكل 25% من عدد السكان، ولذلك لابد أن نهيئ المجتمع لتقبل حكم الأقلية، وذلك بإعداد البيض أولاً لتولي الوظائف القيادية في مختلف قطاعات العمل في المجتمع، وأن العمل في تنفيذ الأمر قد بدأ فعلياً، ولذلك يندر أن تجد الآن أحداً من البيض في الوظائف الخدمية الدنيا إلا إذا كان من المهاجرين الجدد. وقد أسهب في الحديث عن هذا الأمر على رغم أنه كان من الحضور من كان من السود والأسبان وغيرهم. واتضح لي من خلال المناقشة أن هذا الموضوع يدركه الجميع بل ويتقبلونه. والزائر للولايات المتحدة يلمس هذا بوضوح، وبالذات في المدن الكبيرة. وقد يتساءل القارئ عن علاقة هذا الموضوع ببرامج الدبلومات التي كثر الإعلان عنها، بل والدعاية لها في الآونة الأخيرة؟ فأقول إن الوظائف التي تؤهل لها هذه الدبلومات هي ذات الوظائف التي يعمل المخططون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة على التخلص منها، ومنحها لغير البيض. وبالنظر إلى الخلل الحادث في التركيبة السكانية، والحاجة إلى استمرار عملية التنمية الشاملة فلابد من وضع استراتيجية بعيدة المدى لإعداد المواطنين لسوق العمل، بحيث تستهدف هذه الاستراتيجية الوظائف القيادية في مختلف قطاعات العمل، الحكومي منها والخاص.