تستمر حالة التذبذب التي تشهدها سوق الأسهم الإماراتية، والتي تغذيها وتطيل أمدها التعاملات المضاربية التي تتعرّض لها السوق، وأصبحت تأخذ نسقاً مستمرّاً، وتشهد حالة من التوسع بانضمام المؤسسات والصناديق الاستثمارية المتخصصة لموجة المضاربة، وانتهاجها مبدأ التعاملات الخاطفة التي تهدف لاستغلال الفرص المتاحة، كلما سنحت، من خلال المسارعة لتنفيذ عمليات البيع والشراء قصيرة الأجل، بغية جني الأرباح واستغلال الأجواء اللحظية السائدة في الأسواق، حتى وإن كانت هذه الأجواء مخالفة للمنطق الاستثماري السليم، ومتعارضة مع المعطيات والحقائق المتصلة بأداء الشركات والإفصاحات والتقارير الصادرة عنها، وتعكس مراكزها المالية وموقفها الاستثماري من حيث الربح والخسارة، والاتجاه المستقبلي لأعمالها وخططها التوسعية والاستثمارية. وقد اتسمت التعاملات، خلال الأسابيع القليلة الماضية، بالتركيز على أسهم الشركات الحديثة، وتلك الصغيرة التي تتراوح أسعار أسهمها في مستويات تعتبر متدنّية، مقارنة بمعدلات المستويات السعرية السائدة، والتي لم تشهد أسعارها طفرات وقفزات كبيرة كتلك التي شهدتها الشركات القيادية، وهي ميزة فارقة شكّلت مَعْلماً بارزاً اتسمت به تعاملات الأسابيع الماضية بشكل واضح، مما يعدّ إشارة إضافية إلى سيطرة روح الانقياد، أو ما يصطلح عليه المحللون بـ"سلوك القطيع" في أسواق الأسهم المحلية، غير أن هذا المصطلح أصبح ذا دلالة أكثر توسعاً بانضمام الاستثمار المؤسسي المتخصص لصفوف الممارسين لهذه النوعية من التعاملات، حيث اعتادت الأسواق أن يتم استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى جنوح المستثمرين الأفراد بشكل جماعي وبصورة غير مدروسة لاتباع اتجاهات السوق العشوائية، والخضوع لسطوة المضاربين الذين يفرضون في كثير من الأحيان على المستثمرين الأفراد الانقياد وراء الاتجاه الغالب في السوق بشكل عام، أو المنحى الذي يسلكه سهم أو مجموعة من الأسهم بشكل مصطنع دون أن يكون لذلك أساس علمي مقنِع، أو مبرر منطقي يستند إلى مُخرجات التحليل الفني أو الأساسي، أو مستويات العائد المعلنة أو المتوقعة على أسهم الشركات ورؤوس أموالها، وإنما يتم ذلك بدافع تحقيق مكاسب سريعة في وقت قياسي، وهو ما انعكس في قصر فترة احتفاظ المستثمرين بالأسهم، وتسبب بحالة من التذبذب الحادّ لمؤشرات الأسواق. غير أن الاستثمار المؤسسي و"الصناديق" و"المحافظ الاستثمارية" المحلية والأجنبية، كان من المعوّل عليها الاستمرار في بناء استراتيجياتها وخططها الاستثمارية على أساس تصوراتها للقيم العادلة للأسهم، واستقرائها للاتجاهات المستقبلية لنمو العائد، وتطورات أداء الشركات، والتركيز على الاستثمار متوسط وطويل الأجل، والاستفادة من خبراتها في رفع مستوى كفاءة الأسواق، وتعميق الوعي الاستثماري، وتعزيز الممارسات الصحيحة والرشيدة، بما يحدّ من التعاملات العشوائية، ويضبط إيقاع الأسواق، ويساعد على تهميش الأثر السلبي وتقليصه الذي قد تتركه الممارسات المضاربية محدودة المدى والحجم، إلا أنه عوضاً عن ذلك فقد شهدت أسواق الأسهم مؤخراً إقبالاً لافتاً للنظر من قبل المَحافِظ و"الصناديق الاستثمارية" على الأنشطة المضاربية، حيث انساقت وراء هذه الموجة، مما ساهم في توسعها وانعكس سلباً على مستوى نضج الأسواق واستقرارها، وهو الأمر الذي يستلزم وقفة جادة من قبل إدارات هذه "الصناديق" والقائمين عليها، لمراجعة أدائها وتصويب مسيرتها وإعادتها إلى المسار السليم.