بعد ثماني سنوات من حكم العسكر، يتطلع الباكستانيون اليوم إلى أن تحقق حكومتهم المدنية التي انتخبت للتو، وعد التحول الديمقراطي لبلادهم. ومن المؤكد أن يتزايد التأييد الشعبي للحكومة الجديدة، بسبب التحول الديمقراطي المفاجئ الذي حدث، اعتماداً على ديناميات سياسية إيجابية عموماً. وعلى الولايات المتحدة أن تشجع بقوة الانفتاح الديمقراطي الذي تشهده باكستان في هذه الفترة الحرجة من تحولها السياسي. وخلال زيارة قريبة أديناها إلى باكستان، ناقشنا هذه التحولات مع ما يزيد على 200 من قادة الأحزاب السياسية وكبار قادة الشرطة والقضاة والصحفيين والطلاب. وأظهر هؤلاء جميعاً حماساً كبيراً لعودة النظام الدستوري إلى بلادهم، على رغم ما يصحب هذه العودة من تحديات كبيرة. وبعد مضي أسابيع فحسب على الانتخابات التي جرت في 18 فبراير الماضي، شرعت الحكومة المنتخبة في العمل على جدول طموح للأعمال. وتتضمن هذه الأعمال عدداً من الإصلاحات، منها على سبيل المثال محاولة إعادة القضاة الذين سُرِّحوا خلال الفترة الماضية، ودعم جهود التحقيق التي تقودها الأمم المتحدة في حادثة اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو. وفي الوقت نفسه تواجه باكستان جملة من التحديات الكبيرة التي تهدد بالانحراف بهذا المسار الإصلاحي. ومنها على سبيل المثال بطء نمو الاقتصاد الوطني، والطبيعة الجزئية لمحاولات إعادة القضاة المفصولين إلى مناصبهم، بحكم أنها لا تمثل سوى وجه واحد فحسب من وجوه أزمة سيادة القانون. ومن شأن هذه القضية وحدها أن تورط الكثير من المسؤولين. وفوق ذلك تتزايد المخاوف من اشتعال نيران العنف على امتداد باكستان كلها، على خلفية الهجمات الإرهابية السابقة للانتخابات، والتوسع الملحوظ لحركة "طالبان" الباكستانية في المنطقة الشمالية الغربية من البلاد. وبالقدر نفسه يبدو واضحاً تزايد خطر مقاتلي تنظيم "القاعدة"، الذين يتنقلون بحرية من وإلى باكستان عبر الحدود المشتركة مع أفغانستان. هذا ولا يتوفر المحللون إلا على قدر ضئيل للغاية من المعرفة بطبيعة هذه التحالفات والديناميات المعقدة. وقد تكشف ضعف المعرفة هذا عن نتائج مأساوية في 11 يونيو الماضي، على إثر مصرع 11 من حرس الحدود الباكستانيين بقصف جوي أميركي. وتذكرنا مثل هذه الأخطاء الفادحة بأهمية تعلم الدروس المؤسفة، المستقاة من مرشد عمليات مكافحة التمرد الخاص بالجيش الأميركي لعام 2006. والحقيقة أن تنفيذ عملية يقتل فيها خمسة من المتمردين، تعد مضرة وخاسرة، إذا أفلح الضرر الجانبي الناتج عنها، في تجنيد 50 متمرداً آخر غيرهم. واليوم ومع محاولة المرشح "الديمقراطي" باراك أوباما توجيه الاهتمام إلى القضايا التي تهم بالفعل، فما الذي تستطيع الولايات المتحدة فعله لصالح ترسيخ الإصلاحات، وتشجيع هذه الديمقراطية الناشئة؟ من جانبنا نوصي بنهج استراتيجي يتطلب تطبيقه إحداث تغييرات جذرية في ديناميات علاقة واشنطن بإسلام آباد. وفي مقدمة هذه التوصيات: ضرورة تصحيح وتوسيع العلاقة القائمة حالياً بين الدولتين، وهي علاقة ذات بعد أحادي يسيطر عليه الجانب العسكري أكثر من غيره. فلابد من توسيع هذه العلاقة بحيث تسهم في تعزيز الروابط الثنائية بين الدولتين، وتشمل التوصل إلى اتفاقيات أكثر واقعية. وعلى المساعدات المقدمة من قبل واشنطن لإسلام آباد، أن تركز على ثلاثة تحديات رئيسية تهم الشعب الباكستاني. أولاً: حاجة باكستان الماسة إلى إصلاحات أساسية في مجال سيادة القانون، وفي المجالات القانونية والجزائية والاستخبارية والعسكرية. والحقيقة أن سبل إنفاذ العدالة في باكستان قد تأثر على كافة المستويات. وهذا ما يستدعي شمول الإصلاحات واستهدافها لممارسات بعينها، منها على سبيل المثال: الفساد، ومحاصرة المسجد الأحمر، وأحداث العنف التي شهدتها مدينة كراتشي. وفي الإمكان إجراء التحقيقات اللازمة في هذه الحالات بمشاركة محققين قانونيين وماليين باكستانيين يعتد بهم، مع نظراء دوليين لهم. ثانياً: تحتاج باكستان إلى نهج إقليمي لمواجهة ظاهرة العنف والتطرف. فلدى كل من أفغانستان والهند والصين، بين الدول الإقليمية المجاورة، مصلحة مشتركة مع إسلام آباد في تجفيف منابع العنف والتطرف في المنطقة. وفي الإمكان الموافقة على مقترح إقامة "لوياجيرغا" أفغاني- باكستاني مشترك، بهدف تطوير استراتيجيات جديدة لحراسة الخطوط الحدودية، وتحييد بعض مجموعات المقاتلين المتطرفين، فضلاً عن إصلاح نظام العدل التقليدي، وإلقاء القبض على المجرمين الفارين. وفي الوقت نفسه، يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تدفع بجهود كل من الهند وباكستان، من أجل التوصل إلى تسوية سلمية دائمة للنزاع بينهما حول إقليم كشمير. ثالثاً وأخيراً: لابد من وصول المساعدات والاستثمارات العامة إلى ما يزيد على 165 مليون نسمة من الباكستانيين. والملاحظ أن مقترح السناتور جون بايدن بتخصيص مبلغ 7 مليارات دولار المسمى بـ"النصيب الديمقراطي" وهو عبارة عن حزمة من المساعدات التي يمكن لأميركا أن تقدمها حفزاً لجهود التحول الديمقراطي، قد استرعت انتباه الذين تحدثنا إليهم في باكستان. والواجب تخصيص القسط الأوفر من هذا "النصيب" لفئات الشباب، مع العلم بأن أعمار نصف الكثافة السكانية الباكستانية تقل عن 20 عاماً. ويجب أن يرتبط تقديم المساعدات في مجالي الصحة والتعليم بإنفاق الحكومة الباكستانية عليهما، وأن يتم توزيع المساعدات بالتساوي بين المحافظات الأربع، وأن يخضع التوزيع للرقابة والتغطية الإعلاميتين. واليوم، تجد أميركا نفسها، أكثر من أي وقت مضى، في أشد الحاجة للتأكد من دعمها للقضايا والحاجات الباكستانية الأكثر إلحاحاً، ولإقامة علاقة شراكة حقيقية واسعة مع الشعب الباكستاني بأسره. وهذه الشراكة الاستراتيجية هي التي تنسجم مع المبادئ والقيم الأميركية، وهي التي تفتح نافذة عريضة للأمل لنا وللباكستانيين على حد سواء. ريك بارتون وفون هيبل ــــــــــــ زميلان بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"