يُصاب المرء بحالة اندهاش شديد عندما يلاحظ أن التعليقات والتحليلات العربية في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى منقسمة انقساماً حاداً. القسم الأول يتحد بالخطاب الرسمي الغالب، والذي يستنكر قرار المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية "لويس مارينو أوكامبو"، بإصدار مذكرة توقيف للرئيس عمر البشير بتهم ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. التعليقات في هذا القسم الرافض لموقف المدعي العام تتغذى من نبعين، أولهما نبع المعايير المزدوجة التي تسود النظام الدولي، وبالتالي تندد بقرار المدعي "أوكامبو"، الذي يستهدف دولة عربية ويغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية المشابهة. أما النبع الثاني لهذا القسم من التعليقات، فيتمثل في أهداف النظام الدولي الاستعمارية، وبالتالي تركز هذه التعليقات على أغراض تمزيق الدول العربية وتعميق الفتن الطائفية أو العنصرية بداخلها بهدف السيطرة على مواردها الطبيعية ونهب ثرواتها والتحكم في إرادتها. عادة ينتهي القارئ إلى انطباع بأننا أمام وضع طبيعي في دارفور يخلو من أي صراعات أو جرائم أو شوائب، وأن الاتهام القادم من النظام الدولي هو لب المشكلة، وأن أهدافه الاستعمارية هي جوهر المسألة المطروحة. أما القسم الثاني من التعليقات العربية، فيهمل تماماً أهداف النظام الدولي ومعاييره المزدوجة، وينظر إلى قرار "أوكامبو" باعتباره عملاً من أعمال العدالة الهادفة للقصاص لضحايا الصراع في دارفور، الذين يعانون التشريد والقتل الجماعي سواء من ميليشيات الجنجاويد التابعة للحكومة أو ميليشيات المتمردين، والذين أصبحوا ضحايا للتجويع والاغتصاب والعدوان. من هنا يركز هذا القسم من التعليقات على قضية الاستبداد الداخلي ونهب الثروة الوطنية وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية في الأمن والحاجات الاقتصادية والحريات. وإذا كنا نطالع في القسم الأول عناوين مثل "أوكامبو والمعايير المزدوجة" ومثل "الهدف تمزيق السودان"، فإننا نطالع في تعليقات القسم الثاني عناوين مثل "مرحباً بالعدالة" ومثل "محاكمة سفاح جنائياً انتصار لكرامة الشعوب المقهورة". لقد رأيت هذا الانقسام على نحو حي عندما دعتني "ندوة الأهرام" إلى "سيمنار" حول المسألة السودانية، حضره وزيران سودانيان، الأول وزير الثقافة والشباب والثاني السماني الوسيلة السماني وزير الدولة للشؤون الخارجية، وممثلون لكافة الأحزاب السودانية الكبرى مع لفيف من الكتاب والسياسيين والصحفيين المصريين. عندما طلبت الكلمة كان الهاجس المسيطر على ذهني هو دعوة الحضور للبحث عن رؤية متوازنة للمسألة السودانية لا تغفل من ناحية طبيعة النظام الدولي ومعاييره المزدوجة وأهدافه، وتضع في حسبانها نوع الذرائع التي يستخدمها لتمرير أطماعه وأهمها الذرائع المتصلة بحقوق الإنسان السوداني الذي يتعرض للقهر والقتل الجماعي والتجويع، هذا من جانب، وفي الوقت نفسه تسعى الرؤية المتوازنة الى سد الذرائع وذلك بحفظ حقوق الإنسان في السودان والعمل على إيجاد حل سياسي واقتصادي وأمني عادل لمشكلة دارفور. وفي هذا السياق، طالبت الوزيرين السودانيين المذكورين بنقل ندائي إلى القيادة السودانية، لكي يمكننا بناء حالة تماسك وطني داخلي في السودان على أسس متينة وليست على طريقة صدام حسين في إجراء استفتاء مزيف يظهر التفاف الشعب حوله، وفي تسيير المظاهرات المليونية التي تهتف بحياة الزعيم. قلت بالنص موجهاً حديثي للوزيرين السودانيين: أرجوكم لا نريد تمثيليات على طريقة صدام، نريد عملاً جاداً يرضي طموحات شعبنا السوداني ويضمن له حقوق المواطنة والرعاية الكاملة من حكومته، فهذا هو الطريق إلى التماسك الوطني الذي يسد الذرائع التي يستخدمها النظام الدولي. لقد أسعدني أن يعلن الوزير السماني تأييده لرؤيتي المتوازنة ووعده القاطع بأن يحملها إلى مجلس الوزراء السوداني.